وقد اهتم بترقية الجيش من الوجهة الفنية، فأحضر مهرة الأساتذة من أوروبا لتدريب أتباعه ومريديه الذين كان يرسلهم للصعيد بعد إتمام تعلمهم؛ حيث كانت مهمتهم تشكيل فرق جديدة من العساكر النظامية والمتطوعة. ولكي يأمن شر عساكره اللانظاميين فتح لهم أبواب الحرب في مجاهل السودان، وكان كلما قل عديدهم في القاهرة سد نقصهم من الفرق النظامية المتدربة بأسوان.
فكر بعد ذلك في إيجاد أسطول لمصر وتعزيز الحامية بفرق الهجانة، الأمر الذي كان له أحسن أثر في انتصاراته على الوهابيين الذين عاثوا في الأراضي المقدسة فسادا، واستفحل خطرهم لدرجة أنهم داسوا على حقوق المسلمين في الحرمين الشريفين، ووقفوا حجر عثرة في سبيل أدائهم فريضة الحج. فما كاد يصدر إليه الأمر السلطاني بتأديبهم حتى أخذ في إعداد الأخشاب اللازمة لعمل السفن في بولاق ومن ثم أمر بنقلها إلى السويس لبناء الأسطول الذي أقل العساكر المصرية إلى أرض الحجاز، وبذلك تمكن من التغلب على تلك الفرقة الظالمة.
كان رحمه الله متصفا بالشهامة والذكاء يضع الأشياء في مواضعها، ويقدر لكل أمر قدره، وكان مجلسه على الدوام حافلا بكبار أهل العلم ورجال الفضل والعرفان، وكان يستفيد من فضائلهم ويسترشد بهديهم في معضلات الأمور، فضلا عن المجهودات التي بذلها في سبيل تنوير أذهان الأمة بنور العلم.
وبفضل الشجيرات المتنوعة وبذور النباتات المختلفة التي تعب كثيرا في سبيل إحضارها وزرعها في أطراف المملكة أصبحت مصر جنات تجري من تحتها الأنهار.
لم يفته - رحمه الله - قول النبي
صلى الله عليه وسلم : «ساعة من عالم متكئ على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة سبعين عاما.»
1
فبذل جهده في سبيل تنوير أذهان الأمة بنور المعارف وتزيين ربوع البلاد بشارات العلم.
وكان من صفاته الشخصية الشهامة والذكاء، ومن خصائصه أن يضع الأشياء في مواضعها، ويقدر لكل أمر قدره. أما مجلسه فكان على الدوام حافلا بكبار أهل العلم ورجال الفضل والعرفان، يستفيد من فضائلهم ويسترشد بتجاريبهم في الحياة كما أسلفنا.
عند شبوب نار الثورة اليونانية في بلاد المورة كان شبله الأكبر إبراهيم باشا على رأس الجنود العثمانية يقودها إلى مواطن الظفر والفخار، ونظرا لإخلاصه وهمته العالية التي ظهر بها في هذه الحروب لم يكتف السلطان بتشريف قدر محمد علي الكبير بالدعاء له في إحدى الفرمانات بقوله: «أبقاك الله لي وللأمة».
بل أهدى إليه ولابنه الأكبر سيفين مرصعين بالجواهر تلطيفا لهما. وأعقب هذه الثورة اندلاع نار الفتن في كريد فتكفل بها ابنه الأكبر إبراهيم باشا أيضا، الذي تمكن من قمعها وتهدئة الخواطر فيها بمدة صغيرة.
عرفت الدولة لمحمد علي هذه الخدمات الصادقة وقدرتها حق قدرها، فوجهت إليه ولاية جدة واليمن وكريد في آن واحد. إلا أن هذه التلطيفات السامية التي نالها محمد علي الكبير بفضل مساعيه وأعمال ابنه الأكبر إبراهيم أحفظت عليه صدور رجال الدولة وحركت في نفوسهم عوامل الحقد والحسد؛ مما سبب حادثة «الشام» المشئومة، ولكن لم تمض مدة كبيرة حتى أصلح الزمان ما أفسده الحسد، وأسدل نقاب النسيان على تلك الحادثة، فعاد محمد علي إلى إخلاصه وعادت التلطيفات السلطانية إلى مجراها السابق.
كان غيورا على نفع مصر متفانيا في محبتها؛ يدلك على ذلك أنه لم يكد يسمع بوجود معادن الذهب في سنار حتى تكبد بنفسه مشقة السفر إلى مجاهل السودان على ظهور الإبل بغية الاستكشاف والاستطلاع، وحبا في إسعاد مصر رغم ما كان يعانيه من آلام الكبر.
وبالإجمال أراني مهما أسهبت لا أستطيع وصف عمل من أعماله الكبيرة من كل الوجوه وصفا يستكمل الأعراض ويستوفي الأجزاء، وإن المتصدر لترجمة ذلكم البطل الخالد الذكر، الجامع في رأسه ذكاء رجال عدة، أحر به أن يكون ملما بعظمة الأيام السالفة وما بها من مظاهر الأبهة والوجاهة، وكذلك بجميع الصفات والمزايا التي يجب أن يتحلى بها كبار رجال التاريخ ليمكن له أن يأتينا بصورة صحيحة من شخصيته وجلائل أعماله.