تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

علينا أن نعمل على إكثار مدارس البنات وتهذيب أصول التربية والتعليم التي تطبق في تلك المدارس، إذ لا جدال في أن الأصول المتبعة الآن هي من بقايا الأصول البالية التي كانت تطبق في القرون الوسطى. وإلا فمن منا ينكر بأن البنات في مصر لا يستفدن من المدارس سوى قشور من العلم لا تجدي ولا تنفع. هذه حقيقة يقرني عليها الواقفون على الحقائق، الناظرون في أحوال التعليم نظرة إنصاف وعدل.

إلا أن الأمر لا يوجب القنوط واليأس إلى حد أن نتقاعد عن سبيل الإصلاح، فإننا ولله الحمد في إبان نهضة نسائية تبشرنا بحسن المستقبل وإقبال شباننا على تعضيد هذه النهضة يبعث فينا قوى الآمال، فإنني ما كدت أتقدم إلى إخواني المصريين بكتابي «الخواطر» و«السراب» حتى تهافتوا عليهما أيما تهافت فطبع كل منهما طبعتين في بحر سنة واحدة.

إزاء هذا التشجيع رأيت اليوم أن أتحفهم بسوانح سموها، وهي مقالات مختارة من كتاب «تموجات أفكار» المطبوع باللغة التركية. والطريقة التي سرت عليها في جمع هذه السوانح هي ترجمة المقالات المكتوبة عن مصر ولمصر.

بقي لي أن أشكر سيدي وولي نعمتي حضرة صاحب السعادة الأستاذ أحمد زكي باشا الذي تفضل علي بإعارة النسخة التركية من خزانته الزكية أدامها الله عامرة بوجوده لينفع مصر بعلمه وعمله، والله أسأل أن يعيننا جميعا على ما فيه إنهاض مصر، إنه عليم بالنيات.

القاهرة، 10 نوفمبر سنة 1920

عبد العزيز أمين الخانجي

| النور

مهداة إلى قبر جدي الأكبر ساكن الجنان

الفصل ربيع، والعالم أجمع مغمور في لطافته ونعومته، أما الوقت فكان مساء، وكنت إذ ذاك جالسة على سطح سفينتنا المسماة «فيض رباني» الراسية أمام «قصر الدوبارة» أشنف السمع بنغمات النسيم. وكانت الكواكب العديدة المتألقة في كبد السماء تعكس أشعتها على سطح النيل لتؤلف خطا من النجوم تتلألأ كالجواهر النفيسة على صفحة تلك المرآة الصافية.

كانت الليلة ساكنة وكل ما حوالي في سكون وصموت، ولولا أصوات الدعاء والابتهال التي ينقلها الأثير إلى مسمعي من حين لآخر لخيل لي أن العالم مسترسل في النوم.

أما المصابيح التي على جسر قصر النيل، الممتدة كسلسلة من النور على طول الطريق المؤدي إلى الأهرامات فكنت أرى شعاع أنوارها على النيل كسطور من الذهب نمقتها يد كاتب متفنن على صفحة بيضاء.

ربما كانت هذه الليلة تفضل أياما عديدة؛ لأنها كانت في نظري زاهية زاهرة مملوءة بالأسرار والخيالات.

وكان النسيم يلاعب أشجار الحدائق القريبة منا فتتمايل كالمروحة على شجيرات الورد والياسمين لتنشر في الفضاء أريجها، وكنت كلما صوبت النظر إلى ظلال تلك الأشجار ظننتها حراسا تخفر شاطئ النيل في سكون الليل.

إن النجوم وهي تتمتع بمرأى هذه الليلة الجميلة تشرف أيضا على أماكن أخرى، وتعرض محاسنها بلا شك على صفحات أنهر غير النيل، ولكن ألا تظن معي أيها القارئ أنها تفضل سطح النيل الرائق على كل مرايا العالم؟

في هذه الليلة المباركة تجتمع كلمة المسلمين من كافة أنحاء العالم لأمر واحد، وتتجه نفوسهم بشعور واحد إلى الدعوة والاسترحام ولو لمدة وجيزة. وإنك لتجدهم في هذه الليلة سكارى وما هم بسكارى، غارقين في حلم معنوي وقد هدأت ضربات قلوبهم.

في هذه الليلة المباركة تقام الشعائر الإسلامية بإجلال وإعظام في كافة المساجد من أقصى المعمورة لأقصاها، وفي هذه الليلة تسطع الأضواء من على المنائر ببهجة وإشراق. كل هذا احتفاء بالليلة التي ولد فيها سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام.

كل المآذن الواقعة على مد بصري كانت مزينة بالأنوار ترفل في ثياب من البهجة والإشراق، إلا أن مئذنتي جامع جدي الأكبر محمد علي، تمتازان عليهن بما يبدو على زينتها من روعة وجلال، إذ إن الشرفات المحيطة بهاتين المئذنتين المائستين كانت تلمع في وسط السماء كأربع من الأسورة المرصعة بالجواهر الساطعة. وما كنت أرفع بصري نحوهما إلا وتمتلئ جوانب نفسي بالعظمة والإجلال.

سوانح الأميرة · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سوانح الأميرةص ٢