تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ينظر القوم إلي وأنا في مكاني هذا، وسط هذا الميدان العظيم المعدود من أكبر مشاهد هذه العاصمة التي هي مهبط أنوار المدنية الحديثة، نظرهم إلى نقطة تصل مدنية الأزمنة القديمة بالرقي الحديث.

لا غرو ولا عجب؛ فإن هيئتي الشرقية من أكبر الدوافع على جذب الأنظار، فهم يعلمون بأنني أثر من آثار العصور السالفة وإحدى بقايا تلك العظمة الفرعونية الجليلة الشأن، فلا تكاد عيونهم تقع علي حتى يتركوا ما حولي من التماثيل والهياكل الحديثة المحيطة بي، ويقتربوا مني ليقرءوا على وجهي تاريخ أيامي الأولى. أنا الآن تحت أسرهم وفي قبضة يدهم، فهم يعتزون بي ويفاخرون بوجودي بينهم لجليل قدري في الأيام السالفة ولمكانتي السامية بين وقائع العصور الخالية. ولكن مع هذا الاعتبار والاحترام، ورغم كل هذا الإعزاز والإكرام فأنا لا أزال حتى يومي هذا أعاني آلام الوحدة وأوجاع الانفراد.» عندما وصلت المسلة إلى هذا الحد من القول كان النهار قد بلغ غايته وأذن بالأفول، آخذا أهبته لوداع سلطنته إلى الغد، وكانت أنوار الشمس القرمزية قد أغرقت كل ما في الميدان من الألوان المتعددة، وانعكست عليها سهام الأشعة الذهبية الصادرة من السماء حتى خيل لي أنها تلتهب بألسنة النيران.

تركتني هذه الأنات والآهات في حيرة شديدة وجعلتني أشعر بأنني أمام لغز غريب تعجز العقول عن إدراك كنهه، وقد هالني الأمر حتى وقفت متعجبة أنتظر نهاية هذه الشكاوى المتجسدة والآلام المفزعة.

اشتد إذ ذاك احمرار الغروب فازداد توهج الكتابات المسطورة على المسلة والحيوانات المرسومة عليها حتى ظهرت للأعيان أجلى وأوضح كأنما قد لبست ثوب الحس والحياة، ثم سمعت بعد ذلك شبه غمغمة آتية من بعيد فأنصت فإذا هي تقول: «بلى، ما أنا في هذا الوسط سوى موضع الاستغراب والدهشة، وقليل أولئك الذين يعلمون أمري تماما ويعرفون أصلي ومنشئي وشأني حق العرفان. ولذا فأنا أعد نفسي في هذه العاصمة الكبرى وحيدة لا حول لي ولا قوة. تحتاط بي أنواع شتى من البهارج والزخارف إلا أنني لا أحفل بها ولا أجد لها طعما. فكل أنواع الحركة وضروب السرعة والدبدبة تهز أساسي وتضعف متانتي وتوقعني في دهشة وارتباك؛ لأنني لم أعتد على هذا النوع من العيش المضطرب، وإنما كانت نشأتي في وسط هادئ تحف به آيات الجلال والسكون. فأنا اليوم أقطع مراحل حياتي بلا أمل، فأحس وأتألم ولكن بدون لذة أو هناءة، فلا شاغل لي سوى عد سلسلة الأيام التي تمر بي، ولا يغرنك ارتفاعي فأنا متواضعة مع ما ترينه من طول قامتي.»

كانت تصل هذه التألمات إلى سمعي فيزداد بي الحزن والأسف إذ كانت تعوزني شجاعة كبيرة لسماع هذه الشكاوى والآلام.

واستمرت في حديثها تقول: «وقعت فريسة المرض منذ سنين عديدة وأصبحت أقاسي من جرائه آلاما نفسية شديدة، فأنا اليوم أقاسي كل أحوال الموت ولا يلحقني الفناء. أنا أعلم الدواء الناجع لدائي ولكن هيهات، فأين أنا منه الآن؟ سوف أظل أتجرع كئوس المتاعب والأشجان إلى أن يلحقني البلى والدمار؛ لأن داء الشوق لرؤية الأهل دواؤه الناجع ملاقاة الوطن ولكن آه.»

وما كادت تتم كلماتها هذه حتى ارتجت بنا الأرض على إثر مرور إحدى وسائل النقل السريعة من جانبنا، أعني سيارة ضخمة أحدث مرورها تزلزلا في الأرض حال دون سماع بقية كلماتها.

ثم نظرت حولي فرأيت كل شيء يؤذن بدخول ليل فاتر، يحف به موكب من النسيم العليل، تهتز لرقته دقائق الأثير، ثم رميت بطرفي إلى القبة الزرقاء فإذا «الزهرة»، تلك النجمة الساطعة، زينة السماء وأبهى عرائسها، قد ظهرت وابتدأت ترسل ابتساماتها الجذابة لبقية الكواكب التي أخذت تستعد لرد تحيتها.

كنت أرى العربات والسيارات وجماعات المشاة يهرولون جميعا بسرعة زائدة نحو غابة باريس، ليلتجئوا في حمى خضرتها المملوءة بالأسرار والأعاجيب، مؤملين وجود السعادة بين أحضان تلك البقعة الزمردية.

سوانح الأميرة · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سوانح الأميرةص ١٦