تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا الملك الذي أضاف صحائف خالدة على تاريخ مصر بفتوحاته الشهيرة، والذي كان يلقبه اليونانيون بالمعبود القادر، أوصى وهو مدفوع بتربيته الفكرية وإحساساته الموروثة بأن تدفن جثته في أقصى وأعمق نقطة من وادي الملوك، ليظل جسده بعيدا عن الأنظار في أمان من السرقة حتى أبد الآبدين. ولكن وا أسفاه لم تمكنه الأيام من إتمام رغبته كما أراد، فإن المقابر التي بذل الفراعنة في تشييدها وبنائها النفس والنفيس، غير مبالين بما ضاع في ذلك السبيل من مال الأمة وأرواحها، قد ناوأها الزمان ولعبت فيها الأيدي وكشف ما كان تحتها من الأسرار فظلت دروس عبرة لأنظار الناس. هؤلاء الفراعنة الذين عملوا لكل أمر حسابا، هؤلاء الحكام الذين ابتلاهم الدهر بفكرة الخلود، لم يعملوا لهذا الدور الغادر، دور المدنية الحديثة حسابا ولم يدر بخلدهم إمكان ما وقع لهم اليوم.

لو أنهم ظلوا في أمكنتهم، في تلك الطرق الخفية من وادي الملوك لكان لأجسادهم المحنطة نصيب أوفر من الخلود، غير أنه الآن قد حكم عليهم بالفناء منذ الساعة التي أخرجوا فيها من محيطهم السابق إلى وجه الأرض. إن عظامهم اليابسة المحنطة بالأدوية والعقاقير قد قاومت مرور الأيام والأعوام، ولكنها لا تستطيع اليوم مقاومة نور الشمس.

إن «رمسيس الأكبر» الذي دوخ أمما عديدة ومدها بالنور والضياء، والذي كان سببا في شهرة عائلته ورفع ذكرها، تملكت حب الشهرة في نفسه لدرجة عظيمة حتى أصبح أسيرا لها طول حياته. رغم فتوحاته العديدة وانتصاراته الباهرة، كان في ريب من خلود اسمه ودوام ذكره، فأمر ببناء المعبد المعروف باسم «رمسسيوم» بالأقصر، ذلك المعبد الذي ظل مكانا مقدسا حتى أيام إسكندر المقدوني، وحافظ على مكانته حتى في أيام المسيحيين.

وقد ظلت أعمدته الملونة العديدة محافظة على نفاستها وقيمتها، وبقيت مظهرا لتقدير الناس وإعجابهم ومدارا لذكر اسم «رمسيس» إلى الأبد.

كل هاتيك الآثار والمباني لم تطفئ تعطشه الشديد إلى حب الشهرة والخلود، إذ كان على الدوام في ريب من الأيام على اسمه المحفوظ بالسطوة والبأس، فعمد إلى تشييد هياكل عظيمة مشابهة له في وسط الصحراء أملا في تخليد محياه المهيب. ففي كل عمل من أعماله أثر من آثار الأنانية، وفي كل حركاته مظهر من مظاهر الغرور، وبالإجمال فقد كان عنوان المهابة والعظمة وتمثالا مجسما للغرور.

ها أنا ذا أراه الآن أمامي راقدا في تابوته البلوري كبقية الأموات المجاورة له، ولم تبق له مزية من مزايا شهرته منذ اليوم الذي أخرج فيه من مقبره الملوكي وحل هذا المكان. وبعد سنين قلائل تتحلل عظامه فتفسد وتتفكك فينقلب إلى كمية من التراب لا تكاد تملأ الكف، وعندها لا يبقى له في الوجود سوى ذكراه المحفوفة بالغرور. فقل لي بربك من الذي يصدق بخلود «رمسيس» بعد زوال هذه المظاهر الدالة على عظمته؟ وما يبقى إذ ذاك من تلك القدرة والكبر والعظمة والسطوة؟

إن رمسيس الراقد في تابوته البلوري والملتف بأكفانه الصفراء المنسوجة من ألياف نبات الصبر ليس الآن بينه وبين بقية الأموات المحفوظة في هذا القصر أدنى فرق. فكل التوابيت مصطفة بترتيب واحد ونظام واحد وكلها مصنوعة من الخشب والزجاج وعلى جميعها لوحات صغيرة كتب فيها اسم الميت وأسرته. وعندما اقتربت من تابوت «رمسيس» لأقرأ اسم هذا الحاكم المغرور في الورقة البيضاء المعلقة عند قدمه كم وددت أن يضاف على اسمه هذه الكلمة التي قالها الشاعر المرحوم ضيا باشا:

بوقبه ده قالان همان برخوش صدايمش

3

| تأوهات مسلة

مبتكرة

خيل لي أنها تتأوه فتقول: «آه، من يستطيع إسكات أوجاعي المتأصلة في أعماق قلبي، ومن أين لي ذلك الذي يخفف عن آلام نفسي ويداوي جراحها ببلسم كلماته المسلية؟

إنني حتى اليوم أعجب لأمر نفسي، ولا أدري لماذا حكم علي بمثل هذا النفي المؤبد والشقاء الدائم. أنظر حولي فلا أجد رفيقا أحدثه بما بين جوانحي من الأوجاع والتأملات أو صديقا يشاركني في أصدق العواطف والإحساسات. أكل الدهر علي وشرب وتطاولت الأعوام والأجيال وأنا ما زلت في مكاني هذا لا أتحول ولا أتبدل. إن القوم هنا قدروني حق قدري وأغرقوني بطوفان من إعجابهم وإعظامهم ثم أحلوني صدر ميدانهم الفسيح، لأحرك في نفوسهم كامن الفضول، ورفعوا قامتي نحو العلاء لأشرف عليهم من سماء مجدي وخيلائي. فما أكثر القادمين لزيارتي في هذا المكان! وما أشد إعجاب الملتفين حولي، المتحدثين بشأني!

سوانح الأميرة · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سوانح الأميرةص ١٥