نظرت ثانية إلى المسلة فإذا هي غارقة في لجة عميقة من التأمل والتفكير، بعيدة كل البعد عن الضجيج المحيط بها فأخذت أهبتي للمسير فما كدت أتحرك حتى سمعتها تقول: «بربك قفي وأنصتي قليلا لحديثي.»
فعجبت من ذلك أشد العجب ووقفت مبهوتة أقول في نفسي: ما أعجب ذلك! إنها كانت شاعرة بأنني كنت صاغية لشكاتها، فلم يكن شكواها إلي مجرد هذيان. فأعرتها سمعي وانتباهي لأعي ما تقول تماما فإذا بها تقول: «أناشدك المروءة ألا تذهبي لأنه عندي ما أقوله لك فها أنا ذا أرى في عينيك الرغبة في سماع شكاتي وأشجاني، وأشعر بأنك تشاركينني فيها بقلبك وسمعك. فاصبري لم يبق إلا القليل ولا تمضي برهة صغيرة حتى أفيض بمكنونات صدري في قلبك الرقيق كما يفيض النيل على شاطئيه. فكوني أنيسة روحي ولو لمدة وجيزة وأشفقي علي لأجل الذكريات القديمة. ثم ارحميني لآلام الغربة التي أنوء بحملها الآن.
مضت علي مدة مديدة لم أشك بآلامي لإنسان ما، وما كدت أراك حتى انتهزت هذه الفرصة لإفراغ ما في النفس من الآلام والآمال. وها أنت الآن مصغية فشكرا لك، آه! ما ألذ أن تدار كئوس الحديث والمسامرة بين قلبين متآلفين! حدثيني بربك عن الأوطان وخبريني عن أخواتي المسلات الأخرى الباقيات هناك ، تلك البقية الباقية من آثار السلف الدالة على التفنن والإبداع، هل بقين مثلي في متانتهن وروائهن حتى اليوم؟ إنني ما زلت أحفظ لهن حبا كامنا في صدري، وأتذكر حسن جيرتهن وجميل عشرتهن. إن قلبي صخري متين، وكذلك حافظتي قوية لا تنسى شيئا يمر بها. فإن أنا نسيت فلا أنسى تلك الصحاري الذهبية والليالي المقمرة الفضية. آه! أين أنت الآن أيها النيل العذب؟ كم أنا مشتاقة لمنظر جريانك الجميل، ورؤيا القلوع البيضاء التي تحرك المراكب السائرة بين شاطئيك! إن مناظر الغروب الجميلة لا تزال مرسومة على لوح الخاطر، وسحر تلك الليالي الحارة الجذابة لا يمكن نسيانها أبد الدهر.»
ثم تضاءل صوتها بعد ذلك حتى أصبح غير مسموع، إلا أنني أجهدت نفسي فسمعتها تقول: «اذهبي الآن غير مأجورة يا أنيسة روحي في هذه الليلة واتركيني لهمومي وأشواقي، وإذا ما عدت إلى الأوطان فاذكريني عند أهلي، ودعيهم لا ينسوني أنا المسكينة المنفية إلى صميم هذا الميدان الفخم في وسط هذه العاصمة الكبرى، وأخبريهم بأنني على استعداد لأن أفدي كل هذه البهارج والزخارف تلقاء ساعة واحدة أجد فيها نفسي بين أحضان تربتي الأولى.»
وقد أثرت في كلماتها الأخيرة أيما تأثير، ونفذت إلى أعماق قلبي كأنها سهام نارية، فجمدت في مكاني مبهوتة حيرى، ولم أتحرك إلا أثر سماعي أصوات بعض القادمين لزيارتها، حيث سمعت بعضهم يقول: «ما أعجب أمر هذه المسلة، وما أبهى منظرها في الليل! انظروا إلى الكتابات المنقوشة عليها، كيف تتوهج كالتبر، ثم انظروا إلى جلال قامتها وامتزاج شكلها وائتلافه بهذا الميدان العظيم.
يقولون: إنها من أقدم الآثار وأجلها شأنا. بارك الله في همة «لويس فيليب» ناقلها إلى باريس، فقد تجشم في سبيل ذلك كثيرا من النفقات والمتاعب. آه! انظروا إلى عيون الطيور المرسومة عليها، كيف تنظر إلينا ببرود واحتقار، ولولا يقيني بأنها صور لا تحس ولا تشعر، لخيل لي أن مناقيرها الحادة تمتد إلينا بالأذى. حقا إن الإنسان لا يتمالك نفسه من ابتسامة يرسلها في الفضاء عندما يرى هيئتها. إن لهذه المسلة شخصية غريبة في وسط هذا الميدان الحديث؛ فهي قصيدة شعرية بقيت لنا منذ الأزل، بل أسطورة تاريخية تحدثنا، نحن الواقفين على أسرارها المطلعين على خفاياها، بوقائع الأزمنة السالفة فلتحيا مسلة باريس المصرية وهي موضع الدهشة والاستغراب بطيورها ورموزها، ولتدم سنين عديدة في مكانها، تلهب في النفوس نيران الغيظ والحسد بقدها المائس.»