تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلى هنا كنت قد أتممت زيارة البهو السفلي فارتقيت السلالم المؤدية إلى القاعات العلوية ودخلت الدائرة الخاصة بالحيوانات المقدسة، فوقع نظري على جملة من القطط والكبوش والتماسيح والقردة والفيران والطيور المعروفة بأبي قردان، وكانت جميعها مرتبة داخل دواليب من الزجاج ترمق المتفرجين شزرا بعيونها الزجاجية الباردة.

كان يلوح لي أن أنواع التقديس وضروب الاحترام التي نالتها هذه الحيوانات وهي حية أكسبتها الجمود البادي عليها الآن، إذ كان الناظر إليها وهي مصفحة بأنواع الحلي الذهبية يخيل إليه أنها في انتظار الذين عبدوها حينا من الدهر.

أي حس عميق يا ترى يسوق الناس إلى إيفاء واجباتهم الدينية في مختلف العصور والأيام حتى يجعلهم يلجئون إلى مثل هذا النوع من العبادة، عبادة عيون الحيوانات ومناقير الطيور؟!

قرب الآن ميعاد غروب الشمس، إذ كانت أشعتها النافذة من القبة الكبيرة تلون الموجودات بلون أحمر وتنشر في أرجاء القصر ألوانا مختلفة من الهيبة والخشوع.

الإطارات والنوافذ والحوائط والمدافن أصبحت جميعها في طوفان من اللون القرمزي، وكان يخيل للناظر أن الهياكل والتماثيل أخذت في الانتباه والصحو، وأن التوابيت تلتهب بالنيران.

هنا في هذا المكان يرى الإنسان الابن بجانب الأب والحفيد في محاذاة الجد، والكل نائم في صف واحد بعضهم مسدل النقاب على وجهه، والبعض يختال في ثيابه وحلله، والبعض راقد بلا ثوب ولا كفن.

هؤلاء الأعيان والذوات الذين كانوا ينفرون من بعضهم البعض وهم أحياء، جمعهم الموت على حظيرة واحدة في هذه المقابر الغرانيتية التي تزين هذا القصر، وقد اختلط حابلهم بنابلهم، فالعدو بجانب العدو، والخصم مجاور للمخاصم، والحاكم على قيد أمتار من المحكوم، فكم من الملوك الذين يقرأ الخلف تاريخهم الآن على الأعمدة ليلم بأعمالهم وآثارهم قد لبوا الدعوة إلى هذا الموعد!

إن هؤلاء الذين دفنوا ردحا من الزمن في طي الصحاري وبطون الجبال قد تلاقوا الآن في هذا المكان، وها هم ينتظرون بفروغ صبر الساعة التي تنعتق فيها أجسادهم من هذا الجمود الأزلي.

ألقيت نظرة أخيرة على هذه الموميات الذهبية، فخيل لي أنها تستعد لمسامرة ليلية، وأن كلا منها تنتظر انقطاع صوت الأقدام على إثر غروب الشمس لتقفز من زاويتها الساكنة إلى بساط المنادمة والمصاحبة.

في وسط هؤلاء الحكام المغرورين الذين ظلوا تحت أطباق النسيان مدة مديدة في وادي الملوك والمعروضين الآن لحرارة الشمس في هذا القصر المحتشم، كان «رمسيس» الأكبر راقدا في مقره الأبدي، ملتفا بأكفانه المنسوجة من ألياف نبات الصبر الناعمة، داخل دولاب من الزجاج. الهيكل العظمي لهذا الملك العظيم كان يشف عن مهابة وجلال، فجبهته الواسعة تستر تحتها أمارات القوة والاستبداد، وأنفه الأقنى يدل على الغطرسة والكبر، وعيناه المجوفتان يشفان عن السطوة، بينما شفتاه الرقيقتان تنمان عما كان له من قوة وإرادة.

ها هو «رمسيس الأكبر» الذي تحكم في حياته على العالم بجيوشه، يرفع الآن قبضته اليابسة بالتهديد كأنما يريد أن يتحكم على العالم الروحاني أيضا ويملي أوامره الملوكية على المشاهير الملتفين حوله في هذا القصر.

هذه اليد المرفوعة لغرض خاص، هل كان رفعها إطاعة لأوامر ملك الموت؟ أم أنها رفعت لغضبه من مفارقته مقره الهادئ في «وادي الملوك»؟ أم لأنه اضطرب من حرارة الشمس بعد رقاده الطويل في أعماق الأرض فرفع يده ليتقيها؟ وبالإجمال فالمرء يحار في تعليل ذلك.

قبل هذا التاريخ باثنين وعشرين عاما أمر الخديو السابق المرحوم «توفيق باشا» بإخراج جثته من تابوته المذهب وأن يجرد من أكفانه التي يبلغ طولها أربعة آلاف متر أمام جمع من العلماء والأعيان، فظهرت علامات الغضب والاغبرار على محياه حتى ذعر الخفراء والمتفرجون وارتدوا إلى الوراء، ويظهر أنه احتدم غيظا لإخراجه فجأة من الأعماق المظلمة التي ظل فيها ستة آلاف عام إلى وجه الأرض، فرفع إحدى يديه اللتين كانتا مطبقتين على صدره ليهدد العالم. ومنذ ذلك الحين أخذ وجهه يزداد عبوسة.

سوانح الأميرة · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سوانح الأميرةص ١٤