أما الحق سبحانه وتعالى فإنه يعلم ما كان وما هو كائن وما سيكون علم يقين، كيف لا وهو من خلق وأبدع؟ بل إنه علم أحوال الخلق إلى يوم القيامة حتى قبل خلقهم، فإذا أخبر جل شأنه بأمر يحدث مستقبلاً، فإنه يقين غير خاضع لاحتمالات الوقوع من عدمه، وليس لذات غير الله أن تملك هذه الفاعلية، لأن الذوات محدودة الخلق، ومحكومة بقانوني الزمان والمكان، فإذا رأيت ذاتاً تفعل ذلك فاعلم أن ماتفعله إنما هو من فاعلية الله تعالى. وها هو سيدنا المسيح عليه السلام يُعْلم قومه بقدوم نبي اسمه أحمد:
(وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَاتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ). (1)
فمن أين له أن يعلم بذلك النبي الذي سيأتي بعده بمئات السنين؟
إنها مساحة القدرة الإلهية التي تجلت في ذاته النبوية الشريفة، فجعلت أداته في العلم أداة ربانية، يسّرت له أن يخترق حدود المكان والزمان ليعلم ما يكون في الزمن المستقبل علم يقين. وكذلك هو الشأن مع محمد صلى الله عليه وسلم، كان علمه بالمستقبل أكثر اتساعاً مما كان لدى غيره من الأنبياء، فقد كان أقربهم إلى الله، وأعلاهم مقاماً، ولذلك كانت عبوديته صلى الله عليه وسلم لله أشد استواء واكتمالاً، فاستدعى ذلك مزيداً من حضور القدرة الإلهية في ذاته الشريفة.
وقد حفلت كتب السنة النبوية بالأحاديث التي انطوت على أخبار ما سيكون مما هو غائب عن الإنسان زماناً ومكاناً، ومن ذلك:
النبوءات القريبة
لا يحتمل المقام استقصاء كل ما ورد في هذا الباب، لأنه استقصاء قد يأخذ مساحة من الصفحات أكثر من مساحة مضمون عنوان هذا الكتاب ولذلك سأكتفى في هذا الموضع بشواهد قليلة، تؤيد ما نحن بصدد طرحه من أفكار
* غزوة مؤتة
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إلى مؤتة، واستعمل عليهم زيد بن حارثة وقال:
(1) – الصف: الآية 6.