ثم يقول ابن القيم: (رحمة الله على أبي إسماعيل، فتح للزنادقة باب الكفر والإلحاد فدخلوا منه. وأقسموا بالله جهد أيمانهم: إنه لمنهم وما هو منهم، وغره سراب الفناء ... وحاشا شيخ الإسلام من إلحاد أهل الإتحاد).
هذا موقف إمام السلف - ابن القيم - من عبارات تكاد تكون صريحة في وحدة الوجود، فليتنا إذ لم نقف موقف ابن القيم وهو موقف الدفاع والتوضيح وإزالة الغبش والغموض، أقول: ليتنا وقفنا موقف المحايد من الأستاذ سيد قطب، لا الموقف الذي يحمل العبارات التي فيها شيء من الخفاء والإجمال على أسوأ تفسير وأخطر محمل فنقول: (نحن لا نحابي في دين الله أحدا، هذا الكلام كفر)، ولو تركنا هذه المسألة دون إثارة مافهم أحد من الناشئة أن هذا الكلام يشير إلى وحدة الوجود.
لقد رأيت عبارات لابن تيمية قريبة من كلام سيد قطب يقول في دقائق التفسير [33]: (ومن المأثورعن أبي يزيد رحمه الله أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة الغريق بالغريق، وعن الشيخ أبي عبد الله القرشي أنه قال: استغاثة المخلوق بالمخلوق كاستغاثة السجين بالسجين، وهذا تقريب وإلا: فهو استغاثة العدم بالعدم). هذا كلام ابن تيمية: استغاثة المخلوق بالمخلوق، استغاثة العدم بالعدم، فالمستغيث عدم والمستغاث به عدم، إذا حملنا هذا الكلام على ظاهره فإنا نقول: إن المخلوقات لا وجود لها، ولكن المقصود أن الوجود الحقيقي هو لله عزوجل فهو صاحب الإرادة والمشيئة الفعالة التي لا وجود لأية مشيئة أو إرادة إزاءها.
وكثيرا ما يقول ابن تيمية - رحمه الله - الإنسان ليس له من نفسه إلا العدم، ولعلك لاحظت الأدب الجم في النقل - عن أبي يزيد - مع أنه يقول بوحدة الوجود .. (ومن المأثور عن أبي يزيد).
ولقد رأيت أن شيخ الإسلام - ابن تيمية - وابن القيم يتلمسون الأعذار لبعض من قالوا بوحدة الوجود فيعاملونهم معاملة المسلمين، لأنهم يعتبرون أن كلماتهم صدرت أثناء الغيبوبة، ولذا فإن عبارة شيخ الإسلام عن أبي يزيد البسطامي الذي صرح بوحدة الوجود صراحة لا تأويل فيها ولا مواربه، قال ابن تيمية عن أبي يزيد - رحمه الله -، والدعاء بالرحمة لا يجوز إلا للمسلم مع أن أبا يزيد صرح صراحة جلية بوحدة الوجود.
قال أبو يزيد: (خرجت من الله إلى الله حتى صاح مني في، يا من أنا أنت: سبحاني، ما أعظم شأني) [34]، (ما في الجبة الآ الله) [35]، لكن ابن تيمية ينقل عنه وبأدب رفيع جم فيقول: (ومن المأثور عن أبي يزيد رحمه الله).
ويقول ابن القيم في المدارج: (ولكن في حالة السكر والإصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التميز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها: ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال: سبحاني أو ما في الجبة إلا الله، ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرا، ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة).
وكثيرا ما كنت أقول بيني وبين نفسي: إن عبارات الكفر التي نقلت عن القائلين بوحدة الوجود لا يمكن أن تكون صادرة عن عاقل، لأنها تصطدم مع أبسط العقليات، وتناقض كل البديهيات، وهذا الأمر الذي كنت أقوله بيني وبين نفسي - والله أعلم - إن لم ينطبق على كثير منهم فهو ينطبق على بعضهم.
إن هذه الأقوال تصدر عنهم في حالات الغيبوبة أو كما يسميها إبن القيم في: (حالة السكر والإصطلام والفناء)، فلا عقل، لا تفكير ولا شعور ولا تمييز، لا يمكن لعاقل مهما كان عقله أن يعتقد أن الخالق هو المخلوق، وأن العابد هو المعبود، وأن الله هو الإنسان، فمن اعتقد هذا فهو إما مجنون أو زنديق كافر.
إن استنباط حكم في أية مسألة يقتضي جمع النصوص التي تتعلق بالمسألة وبعدها ننظر لنخرج بالحكم بعد الإحاطة - على قدر الإمكان - بما ورد فيها من النصوص.
فإذا سمعنا الحديث الذي رواه البخاري عن أم عطية رضي الله عنها قالت: (بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ علينا ﴿أن لا يشركن بالله شيئا﴾ ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها ... ) [36]، لا يجوز أن نأخذ حكما بمفهوم المخالفة للحديث، فقبضت امرأة يدها أن غيرها صافح الرسول صلى الله عليه وسلم في البيعة، لأن هذا المفهوم يعارض المنطوق الصريح لحديث البخاري الآخر، قال عروة: قالت عائشة: (فمن أقر بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله صلى الل هليه وسلم: قد بايعتك كلاما، ولا والله ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: قد بايعتكن على ذلك). وبعد أن نطلع على الحديث الثاني نفهم الأول أن المراد من فقبضت امرأة يدها كناية عن تأخرها عن قبول شروط البيعة.