إن الحكم على منهاج رجل أو عقيدته أو اتجاهه أو مسلكه أو لغته لايتم من خلال قراءة عبارة مقطوعة مبتورة من احدى صفحات كتبه، ان الخروج على الناس بحكم على مفكر لا يجوز أن يتم قبل مطالعة كتبه، ومعرفة المتقدم والمتأخر منها.
ومن المعلوم كما بلغني من الثقات أن الشيخ الألباني كان يقول: (إن خير من كتب عن التوحيد في هذا العصر هو سيد قطب)، وكان ينصح بقراءة " معالم في الطريق " لأنه يرى أن الكتاب وضح التوحيد.
وسواء شهد لسيد قطب الناس أم لم يشهدوا، فالحقيقة أكبر من أن تغطى، لأن الشمس لا تغطى بغربال، إن سيدا نذر حياته لشرح حقيقة التوحيد وهذا لا يعصم الإنسان من الخطأ أحيانا، أو يمنع من أن يكون في بعض عباراته غموض، وهذه العبارات الغامضة أو المبهمة تحمل على السيل الجارف من النصوص الموضحة للتوحيد والتي تتجلى فيها العقيدة الصافية للسلف بلا غبش ولا غموض.
وكثيرا ما كان ابن تيمية رحمه الله يتمثل بهذا البيت الذي يحضرني في هذا المجال:
وليس يصح في الأذهان شيء
وختاما:
ما أجمل أن ننهي هذا المقال بهذه الصورة التي تلوح لسيد في مخيلتي وهم يسوقونه إلى خشبة المشنقة، يتقدم إليه شيخ من المشايخ الرسميين الذين يمثلون عادة، ليلقنوا الذي سيعدم كلمة الشهادتين، إذ أن هذا من مراسيم عملية الإعدام، تقدم الشيخ إلى سيد فقال له: (يا سيد! قل أشهد أن لا إله الآ الله)، فالتفت إليه الأستاذ سيد قائلا: (حتى أنت جئت تتم المسرحية، نحن نعدم لإننا نقول لا إله الآ الله، وأنتم تأكلون خبزا بلا إله الأ الله، إتق الله يا هذا، ولا تبق سيفا للظالمين).
وختاما؛
فليس هذا إلا دفاعا عن الحق - والله يشهد - وليس تعصبا لسيد قطب، وإن كنت أعتبر سيدا أكثر مفكر في النصف الأخير من القرن العشرين أثر في البشرية وهز الجيل فانتفض بإسلامه، ورسم " معالم الطريق "، وأقام " الظلال " لتستريح الأجيال المسلمة من هجير الجاهلية ولفحها وتتقي حرها وصلاءها - نرجو الله أن يغفر لنا أجمعين - ووضح " خصائص التصور " وبين " المقومات "، حتى يكون لل " شخصية المسلمة " خصائصها ومقوماتها، وبشرنا أن " المستقبل لهذا الدين " بعد أن وضح لنا حقيقة " هذا الدين ".
لقد هال الأستاذ سيد الصمت الرهيب المطبق من قبل الجماهير المتفرجة على قمع الحركة الإسلامية واجتثات الإسلام من الجذور على يد الطواغيت المسمين بأسماء المسلمين، وفكر طويلا في سر موقف الجماهير غير عابئه ولا آبهة بما يجري للمسلمين من إبادة بين ظهرانيهم، فخرج بنتيجة: أن الجماهير لم تفهم " لا إله الآ الله "، ومن هنا نذر بقية حياته المباركة لتوضيح معنى لا إله إلا الله وتعميقها في النفوس حتى تؤتي ثمارها جنية مباركة في واقع الحياة.
فغير كثيرا في الطبعة الثانية من " الظلال "، وكتب " هذا الدين "، و " المستقبل لهذا الدين " و " خصائص التصور الإسلامي ومقوماته "، و " معالم في الطريق ".
كان الأولى بالأستاذ الألباني أن يحاول:
1) أن يجمع بين النصوص لسيد قطب: فيحمل المجمل على المبين، والمبهم على الواضح.
2) أو يلجأ إلى النسخ: فسورة البقرة التي كتبها سيد في الطبعة الثانية، بعد سورة الحديد والإخلاص، لأنه لم يصل إليها في الطبعة الثانية، بل وصل إلى الجزء الرابع عشر فقط في الطبعة الثانية.
3) أو يرجح بين النصوص المتعارضة لسيد، فيرجح عبارة النص في سورة البقرة على إشارة النص في السورتين الحديد والإخلاص، ويرجح المنطوق الصريح في مهاجمة وحدة الوجود على المنطوق غير الصريح في السورتين، ويرجح المنطوق الصريح في سورة البقرة والنساء: (أن مقام العبودية غير مقام الألوهية وإنهما متمايزان بلا امتزاج) على المفهوم الوارد في سورتي الحديد و الإخلاص.
4) أو يلجأ إلى إسقاط العبارتين فيسكت عما فيهما.