تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يقول ابن القيم هذا الكلام السابق في تفسير عبارات الهروي صاحب المنازل، يقول الهروي صاحب منازل السائرين: (الفناء: هو اضمحلال ما دون الحق علما، ثم جحد، ثم حقا، وهو على ثلاث درجات).

قال ابن القيم في تفسيرها: (الفناء اضمحلال ما دون الحق جحدا، لا يريد به أن يعدم من الوجود بالكلية، وإنما يريد اضمحلاله في العلم فيعلم أن ما دونه باطل وأن وجوده بين عدمين، وأنه ليس له من ذاته إلا العدم فعدمه بالذات، ووجوده بإيجاد الحق له، فيفني في علمه، كما كان فانيا في حال عدمه، فإذا فني في علمه ارتقى إلى درجة أخرى فوق ذلك، وهي جحد السوى وإنكاره، وهذه أبلغ من الأولى لأنها غيبته عن السوى فقد يغيب عنه وهو غير جاحد له، وهذه الثانية جحده وإنكاره. ومن ههنا دخل الإتحادي وقال: المراد جحد السوى بالكلية، وإنه ما ثم غير بوجه ما. وحاشا لشيخ الإسلام من الحاد أهل الإتحاد، وإن كانت عبارته موهمة بل مفهمة ذلك، وإنما آراء بالجحد في الشهود لا في الوجود، أي يجحده أن يكون مشهودا فيجحد وجوده الشهودي العلمي، لا وجوده العيني الخارجي، فهو أولا يغيب عن وجوده الشهودي العلمي، ثم ينكر ثانيا وجوده في علمه وهو اضمحلاله جحدا، ثم يرتقي من هذه الدرجة إلى درجة أخرى أبلغ منها وحب اضمحلاله في الحقيقة، وأنه لا وجود له البتة، وإنما وجوده قائم بوجود الحق، فلو لا وجود الحق لم يكن هو موجودا، ففي الحقيقة: الموجود إنما هو الحق وحده، والكائنات من أثر وجوده، وهذا معنى قولهم: إنها لا وجود لها ولا أثر لها، وإنها معدومة وفانية ومضمحلة) [31].

أين عبارات سيد قطب من عبارات الهروي؟

كل الذي قاله سيد: عدم رؤية القلب للأشياء لأنه متعلق بالحق، بالوجود الحق، فهذه الأشياء والمخلوقات لا يعلق بها القلب لأنه مشغول بالله، فهي صغيرة حقيرة لا يراها القلب ولا يأبه لها فكأنها غير موجودة، فالقضية بأختصار: إحساس قلبي، ومشاعر نفسية ورؤية داخلية ببصيرته ببصره.

أما عبارات الهروي: (اضمحلال ما دون الحق علما، ثم جحدا، ثم حقا)، (فإذا فني في علمه ارتقى إلى درجة أخرى فوق ذلك وهي جحد السوى وإنكاره)، أي إنكار ما سوى الله وجحده، والعبارة واضحة في وحدة الوجود، ومع هذا فإن ابن القيم رحمه الله يقول: (وحاشا لشيخ الإسلام - الهروي - من إلحاد أهل الإتحاد، وإن كانت عبارته موهمه بل مفهمة ذلك، وإنما أراد بالجحود في الشهود لا في الوجود، أي يجحده أن يكون مشهودا، فيجحد وجوده الشهودي العلمي، لا وجوده العيني الخارجي).

ماذا نقول في سيد قطب لو قال بالدرجة الثالثة: (ثم يرتقي من هذه الدرجة إلى درجة أبلغ منها وهي: اضمحلاله في الحقيقة، وإنه لا وجود له البتة)، هذه عبارة ابن القيم في تفسير عبارة الهروي: (ثم اضمحلاله حقا) ويزيد ابن القيم في توضيح العبارة: (وإنه لا وجود له البتة، وإنما وجوده قائم بوجود الحق، فلولا وجود الحق لم يكن هو موجودا، ففي الحقيقة: الموجود إنما هو الحق وحده، والكائنات من أثر وجوده، هذا معنى قولهم: إنها لا وجود لها ولا أثر لها، وإنها معدومه وفانية ومضمحلة).

هل سمعت عبارة ابن القيم؟ (ففي الحقيقة: الموجود إنما هو الحق وحده والكائنات من أثر وجوده).

ولقد دافع ابن القيم عن عبارات وأبيات للهروي خطيرة جدا [32].

يقول الهروي:

ما وحد الواحد من واحد

عارية أبطلها الواحد ... توحيد من ينطق عن نعته

ونعت من ينعته لأحد ... توحيده اياه توحيده

إذا احتاج النهار إلى دليل ... قال ابن القيم: (ومعنى أبياته: ما وحد الله - عزوجل - أحد توحيده الخاص، الذي تفنى فيه الرسوم ويضمحل فيه كل حادث، ويتلاشى فيه كل مكون، فإنه لا يتصور منه التوحيد إلا ببقاء الرسم - وهو الموحد، وتوحيده القائم به - فإذا وحده شهد فعله الحادث ورسمه الحادث، وذلك جحود لحقيقة التوحيد، الذي تفنى فيه الرسوم، وتتلاشى فيه الأكوان).

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجود · الصفحة ٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجودص ٧