وما أجمل لو أضاف سيد هنا وهو ينتقد الصوفية عبارة " فجذبتهم إلى بعيد بالقول بوحدة الوجود " ثم يضيف عبارته التي أوردها في سورة البقرة في تفسير ﴿قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه﴾: (والنظرية الإسلامية: أن الخلق غير الخالق، وأن الخالق ليس كمثله شيء ... ومن هنا تنتفي من التصور فكرة وحدة الوجود .... أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة، أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده، أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس) [23].
وما أجملها من عبارة له - رحمه الله - يقول فيها: (وعقيدة أن لله سبحانه ولدا عقيدة ساذجة، منشؤها قصور في التصور يعجز عن إدراك الفارق الهائل بين الطبيعة الإلهية الأزلية الباقية والطبيعة البشرية المخلوقة الفانية، والقصور كذلك عن إدراك حكمة السنة التي جرت بتوالد أبناء الفناء، وهي التكملة الطبيعة لما فيها من نقص وقصور لايكونان لله) [24].
ويقول: (الحقيقة الإعتقادية التي تنشأ في النفس من تقرير حقيقة الوحدانية .. حقيقة أن الوهية الخالق تتبعها عبودية الخلائق .. وأن هناك فقط الوهية وعبودية، الوهية واحدة وعبودية كل شيء، وكل أحد في هذا الوجود) [25].
هذه عبارة سيد قطب: يهاجم فيها بالنص " القول بوحدة الوجود " ويصرح فيها باللفظ مئات المرات، أن مقام الإلوهية غير مقام العبودية (وأن الخالق غير الخلق ... فهناك إذن وجودان متمايزان .. وجود الله ووجود ما عداه من عبيد الله).
فهل هذه تلتبس وتشبه عبارات القائلين بوحدة الوجود مثل ابن عربي (ويسمى في حالة بإله ويسمى في حالة العبيد) [26].
أو تشبه عبارات سيد، عبارة جلال الدين الرومي!! (يا من تبحثون عن الله، إنما أنتم الله، ليس الله خارجا عنكم .. هو انتم أنتم) [27].
أو هناك تماثل بين عبارات سيد الناصعة، وبين قول فريد الدين العطار: (اندمج أنت فيه، فهذا هو الحلول .. فادخل الوحدة واجتنب الإثنية) [28].
أو هناك تقارب بين النصوص التي كتبها سيد وبين قول عبد الكريم الجبلي: (إن الحق تعالى من حيث ذاته يقتض إلا يظهر في شيء إلا ويعبد ذلك الشيء، وقد ظهر في ذرات الوجود) [29].
كان الأولى والأورع في دين الله، قبل أن نتهم سيد قطب بالقول بوحدة الوجود، أن نقرأ له أولا، ثم بعد ذلك: نقدم المنطوق الصريح له على المنطوق غير الصريح، ونقدم المفسر من قوله على القول المبهم له، ونقدم بالترجيح المنطوق على المفهوم، ونقدم عبارة النص على إشارة النص.
هذه من القواعد الأساسية في علم الأصول للخروج بأحكام، فإذا تعارضت النصوص لا بد من الجمع أولا ثم النسخ ثم الترجيح، فهل حاولنا أن نقرأ تفسير جزء واحد من ثلاثين جزء من ظلال القرآن حتى تحكم على الرجل.
إن سيد قطب لم يقل: إن كل ما تراه بعينك فهو الله، وهذه المخلوقات التي يسميها أهل الظاهر مخلوقات ليست شيئا غير الله. إن سيدا يقول: (ومتى استقر هذا التصور الذي لايرى في الوجود إلا حقيقة الله، فستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها، وهذه درجة يرى القلب فيها يد الله في كل شيء يراه، ووراءها الدرجة التي لايرى فيها شيئا في الكون إلا الله، لأنه لا حقيقة هناك يراها إلا حقيقة الله).
إذن لم يقل - كما قال الشيخ الألباني - إن كل ما تراه بعينك فهو الله، بل قال: (يرى القلب فيها يد الله في كل شيء)، وشتان شتان بين رؤية القلب ورؤية العين.
وقال سيد: (ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئا في الكون إلا الله)، وفاعل " يرى " في هذه الجملة الثانية: ضمير مستتر تقديره " هو " يعود على القلب في الجملة الأولى، فعبارة الأستاذ سيد: تصور، رؤية القلب، إحساس داخلي.
وإن الإمام ابن القيم لا يعتبر هذا ولا أكثر منه صراحة من قبيل القول بوحدة الوجود، يقول ابن القيم في مدارج السالكين [30]: (وفرق بين إسقاط الشيء عن درجة الوجود العلمي الشهودي، وإسقاطه عن رتبة الوجود الخارجي العيني، فشيخ الإسلام - يعني الهروي صاحب منازل السائرين - بل مشايخ القوم المتكلمين بلسان الفناء هذا مرادهم)، هذه شهادة من إمام من أئمة السلف الذين يتذوقون أساليب البيان، وتذوقوا طعم الأنس بالله من خلال السير صعدا على مدارج السالكين.