تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يقول الأستاذ رحمه الله في سورة الحديد: (ولقد أخذ المتصوفة بهذه الحقيقة الأساسية الكبرى، وهاموا بها وفيها، وسلكوا إليها مسالك شتى، بعضهم قال: أنه يرى الله في كل شيء في الوجود، وبعضهم قال: أنه رأى الله من وراء كل شيء في الوجود، وبعضهم قال: انه رأى الله فلم ير شيئا غيره في الوجود، وكلها أقوال تشير إلى الحقيقة، إذا تجاوزنا عن ظاهر الألفاظ القاصرة في هذا المجال) [18].

إن ذكر كلمة المتصوفة في هذا المجال هو الذي جعل المنتقدين بهذه العبارات ينتفضون، والمتصوفة يقولون بوحدة الوجود، اذا فسيد قطب يقول بوحدة الوجود!!

هذه عبارات أدبية خرجت مع قلم سيد قطب السيال بهذا النص، هو يريد أن يوضح القضية الكبرى التي تجعل الإنسان يعبر على مسيرة الحياة بالمبادئ الربانية والشريعة الإلهية، هذه القضية أن الله عزوجل هو الفعال لما يريد، وكل فعل ممن عداه لايستحق أن ينظر إليه، لانه صغير، حقير، وهو بجانب قدرة الله وفعله لايساوي شيئا، بل كأنه غير موجود، وكما يقول في مقدمة " في ظلال القرآن ": (ومن ثم عشت في ظلال القرآن، هادئ النفس، مطمئن السريرة، قرير الضمير، عشت أرى يد الله في كل حادث وفي كل أمر) [19].

ويقول في تفسير ﴿قل هو الله أحد﴾: (ومتى استقر هذا التصور الذي لا يرى في الوجود إلا حقيقة الله، مستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها، وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه، ووراءها الدرجة التي لا يرى فيها شيئا في الكون إلا الله، لأنه لاحقيقة هناك يراها الآ حقيقة الله) [20].

العبارات أدبية بأسلوب رائع رصين وفيها خفاء في المعنى وبعض الإبهام وهي تتضمن في ذاتها الفرق بين الخالق والمخلوق، فهو يقول: (مستصحبه رؤية هذه الحقيقة في كل وجود آخر انبثق عنها)، إذن فهما وجودان: وجود الله، ووجود كل شيء آخر انبثق من إرادة الله.

هذه واحدة، والشيء الآخر أن المسألة والقضية هي: مجرد مشاعر ورؤية قلبية فالعبارات تقول: (وهذه درجة يرى فيها القلب يد الله في كل شيء يراه)، وأما إذا أردنا الوقوف على ظاهر الألفاظ فهل يرى القلب يد الله؟

قال ابن القيم في مدارج السالكين [21]: (الفناء: هذا الإسم يطلق على ثلاث معان: أ - الفناء عن وجود السوى - غير الله -: فهذا فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود ب - الفناء عن شهود السوى: فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه، وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم، فحقيقته: غيبة أحدهم عن سوى مشهوده - الله - ج - الفناء عن إرادة السوى: وهو فناء خواص الأولياء وائمة المقربين، فيغنى بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه).

ولابن القيم كلام قريب من هذا أن الأمر الذي يريد سيد قطب إقراره في القلب - هو: إرجاع الأمر كله إلى الله ﴿قل إن الأمر كله لله﴾ - ويريد أن يوهن أمر الأسباب حتى لا يعلق بها القلب البشري، فهي صغيرة، ضئيلة لا قيمة لها ولا وزن بجانب الإرادة الفعالة - ارادة الله - ﴿فعال لما يريد﴾، فوجود هذه الأشياء والأسباب والقوى التي تستعلي في الأرض صغير أمام الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.

إن سيد رأى تخاذل الناس أمام قوى الطغيان التي تستعبد الناس في الأرض، فأراد أن يغرس في النفوس أن هؤلاء بقواهم وعددهم لا ينظر إليهم إذا نظرنا إلى وجود الله وقوة الله، فكأنهم غير موجود، لأن القلب المرتبط بالله ينظر إلى القوة الحقيقية، ينظر إلى جبار السموات والأرض إلى الذي يمسك السموات أن تزولا، فما هذا الغثاء وما بال هذا الزبد يطفو وينتفش ويستعلي على عباد الله، وهو في حقيقته كأنه غير موجود.

ويصرح سيد بهذا المعنى الذي يريد إقراره في النفوس في تفسير سورة الإخلاص: (كذلك سيصحبه نفي فاعلية الأسباب، ورد كل شيء وكل حدث، وكل حركة إلى السبب الأول الذي منه صدرت، وبه تأثرت .. وهذه هي الحقيقة التي عني القرآن عناية كبيرة بتقريرها في التصور الإيماني، ومن ثم كان ينحي الأسباب الظاهرة دائما ويصل الأمور مباشرة بمشيئة الله ﴿وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى﴾، ﴿وما النصر إلامن عندالله﴾، ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾ هذه هي مدارج الطريق التي حاد لها المتصوفة فجذبتهم إلى بعيد) [22].

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجود · الصفحة ٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجودص ٥