تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والآن دعنا نرجع إلى بعض أقوال القائلين بوحدة الوجود، الذين خرجوا من دين الله بأقوالهم هذه، إذ أن عباراتهم واضحة جلية في الكفر الصراح البواح، وبمنطوقهم الصريح لا لبس فيه أنهم يعتبرون الخلق هم عين الخالق، والأشياء هي حقيقة الله تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا:

يقول ابن الفارض - سنة 632 هـ - في قصيدته التائية وهو يصف الله ويتكلم عنه كأنه يتكلم عن معشوقته ويتغزل بحبيبته:

لها صلواتي بالمقام أقيمها

حقيقته بالجمع في كل سجدة ... كلانا مصل واحد ساجد إلى

صلاتي لغيري في إدا كل ركعة ... وما كان لي صلى سواي ولم تكن

يا ليت شعري من المكلف ... إنه ينطق بعبارة صريحة أنه يصلي لله والله يصلي له، فكلاهما مصل واحد وساجد واحد، فأبن الفارض صلى لنفسه ولم تكن صلاته لغيره، فهو وربه حقيقة واحدة، وشئ واحد، تعالى الله عما يقول الفارض.

ويقول ابن عربي - 638 هـ -: (فوجودنا وجوده، ونحن مفتقرون إليه من حيث وجودنا، وهو مفتقر إلينا من حيث ظهوره لنفسه: من يحمدني وأحمده ويعبدني واعبده) [11].

ويقول [12]:

العبد رب والرب عبد

إذ كل من وحده جاحد ... ويقول [13]: (لا تراقب، فليس في الكون إلا واحد لعين، فهو عين الوجود، ويسمى في حالة باله، ويسمى في حالة بالعبيد).

وأما جلال الدين الرومي - سنة 672 هـ - فهو يقول [14]: (يا من تبحثون عن الله، إنما أنتم الله، ليس الله خارجا عنكم، هو أنتم أنتم، اعتكفوا في الدار، ولا تدوروا هنا وهناك لأنكم أنتم الدار، وأنتم رب الدار، أنتم الذات، وأنتم الصفات، فالذي لم يلد ولم يولد هو منكم، أنتم الأطهار والقيومون المنزهون البعيدون عن التغيير).

ويقول صدر الدين القونوي - سنة 673 هـ -: (فالإنسان هو الحق، وهو الذات، وهو الصفات، وهو العرش وهو الكرسي ... وهو الموجود وما حواه ... وهو الحق وهو الخلق، وهوالقديم وهو الحادث) [15].

هذه عبارات القائلين بوحدة الوجود، هي واضحة صريحة بمنطوقها ونصها أن الخالق هو المخلوق، وأن الإنسان هو الله - سبحان الله عما يشركون -

أهذه العبارات تشبه عبارة سيد قطب التي حملوها فوق ما تحتمل، وفسروها تفسيرا يفضي إلى الكفر، كما يقول الألباني: (نحن لانحابي في دين الله أحدا ... نقول هذا الكلام كفر!!).

يقول الأستاذ سيد في تفسير آية الحديد: ﴿هو الأول والأخر والظاهر والباطن﴾: (هذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده، وهذه هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته، وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود، إذن فهما وجودان: وجود الله، ووجود الأشياء الذي استمد وجوده من الله، وهما حقيقتان: حقيقة الله، وحقيقة الأشياء).

وهما وجودان متمايزان، كما يقول في خصائص التصور [16]: (ووجود ماعداه من عبيد الله والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبيد).

وما كان لكاتب المعالم والظلال، وخصائص التصور ومقوماته إلا أن تكون عقيدته صافية بهذا الشكل، فهو يقول في تفسير آية: ﴿يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ... ﴾ [النساء: 171]: (والله سبحانه تعالى عن الشركة، وتعالى عن المشابهة، ومقتضى كونه خالقا يستتبع - بذاته - أن يكون غير الخلق، وما يملك ادراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والمخلوق، والمالك والملك) [17].

أرأيت هذه العبارة الأخيرة لعملاق الفكر الإسلامي: (وما يملك إدراك أن يتصور إلا هذا التغاير بين الخالق والمخلوق)، أي: لا يمكن لعاقل في رأسه ذرة من تفكير أو بقية من لب أن يتصور أن الشيء وخالقة واحد، ولا يمكن الإنسان سوي أن يمر بذهنه أو قلبه لحظة أن الحجر والشجر هو ذات الله - عز وجل - بل لقد كان المشركون الذي يعبدون الأصنام يقولون: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾، وكانوا يقولون: (لبيك اللهم لبيك لاشريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك).

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجود · الصفحة ٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجودص ٤