تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أين هذا الكلام من عقيدة سيد قطب التي يصرح فيها مئات المرات في ظلال القرآن بالفرق بين الخالق والمخلوق، والتباين بين مقام الالوهية ومقام العبودية؟.

والآن تعال معي نقتبس بعض عباراته:

يقول في خصائص التصور الإسلامي [8]: (يقوم التصور الإسلامي على أساس أن هناك الوهية وعبودية ... ألوهية يتفرد بها الله سبحانه، وعبودية يشترك فيها كل من عداه ... وكما يتفرد الله سبحانه بالأولوهية، كذلك يتفرد تبعا لهذا بكل خصائص الألوهية، وكما يشترك كل حي وكل شيء بعد ذلك في العبودية، كذلك يتجرد كل حي وكل شيء من خصائص الأولوهية .. فهناك إذن وجودان متميزان. وجود الله، ووجود ما عداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق وإلاله بالعبيد).

أرأيت إذن: إن عبارة نصه تقول: (فهناك إذن وجودان متميزان، وجود الله، ووجود ما عداه من عبيد الله، والعلاقة بين الوجودين هي علاقة الخالق بالمخلوق والإله بالعبد)، هل بقي قول لقائل أن يدعي بأن سيد قطب يخلط بين الله وبين عبيده، وأن الله قد تجلى في صور مخلوقاته، وأن الخالق والمخلوق شيء واحد لا فرق بينها ولا تمايز؟!.

ويقول سيد رحمة الله عليه في تفسير آية الإسراء ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى﴾ [9]: (وتذكر صفة العبودية ﴿أسرى بعبده﴾ لتقريرها وتوكيدها في مقام الإسراء والعروج إلى الدرجات التي لم يبلغها بشر، وذلك كي لاننسى هذه الصفة، ولا يلتبس مقام العبودية، بمقام الألوهية كما التبسا في العقائد المسيحية بعد عيسى عليه السلام، بسبب مالابس مولده ووفاته، وبسبب الآيات التي أعطيت له فاتخذها بعضهم سببا للخلط بين مقام العبودية ومقام الأولوهية .. وبذلك تبقى للعقيدة الاسلامية بساطتها ونصاعتها وتنزيهها للذات الإلهية عن كل شبهة من شرك أو مشابهة، من قريب أو من بعيد).

ويقول رحمه الله عند آية: ﴿لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا، فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله، وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما، ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا﴾ [النساء:172]: (لقد عني الإسلام عناية بالغة بتقرير حقيقة وحدانية الله سبحانه، وحدانية لا تتلبس بشبهة شرك أو مشابهة في صورة من الصور، وعني بتقرير أن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يشترك معه شيء في ماهية ولاصفة ولاخاصيه، كما عني بتقرير حقيقة الصلة بين الله سبحانه وكل شيء - بما في ذلك كل حي - وهي أنه صلة الوهية وعبودية، الوهية الله وعبودية كل شيء .. والمتتبع للقرآن كله يجد العناية، فيه بالغة بتقرير هذه الحقائق - أو هذه الحقيقة الواحدة بجوانبها هذه - بحيث لاتدع في النفس ظلا من شك أو شبهة أو غموض، ولقد عني الإسلام كذلك بأن يقرر أن هذه هي الحقيقة التي جاء بها الرسل أجمعون، تقررها في سيرة كل رسول، وفي دعوة كل رسول، وجعلها محور الرسالة من عهد نوح عليه السلام إلى عهد محمد خاتم النبيين - عليه الصلاة والسلام - تتكرر الدعوة بها على لسان كل رسول: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ وكان من العجيب أن اتباع الديانات السماوية - وهي حاسمة وصارمة في تقرير هذه الحقيقة - يكون منهم من يحرف هذه الحقيقة وينسب لله - سبحانه - البنين والبنات، أو ينسب لله سبحانه الإمتزاج مع أحد من خلقه في صور الأقانيم، اقتباسا من الوثنيات التي عاشت في الجاهليات! ألوهية وعبودية ... ولا شيء غير هذه الحقيقة، ولا قاعدة إلا هذه القاعده ولا صلة إلا صلة الألوهية بالعبودية وصلة العبودية بالالوهية ولا تستقيم تصورات الناس - كما لا يستقيم حياتهم - إلا بتمحيص هذه الحقيقة من كل غبش، ومن كل شبهة، ومن كل ظل، أجل لا تستقيم تصورات الناس ولا تستقر مشاعرهم إلا حين يستيقنون حقيقة الصلة بينهم وبين ربهم، هو إله لهم وهم عبيده، هو خالق لهم وهم مخاليق .. هو مالك لهم وهم مماليك .. وهم كلهم سواء في هذه الصلة لا بنوة لأحد، ولا امتزاج بأحد .. ومن ثم لا قربى لأحد الا بشئ يملكه كل أحد ويوجه إرادته إليه فيبلغه " التقوى والعمل الصالح " .. وهذا في مستطاع كل أحد أن يحاوله، إن المسيح عيسى بن مريم لن يتعالى عن أن يكون عبدا لله، لأنه - عليه السلام - وهو نبي الله ورسوله خير من يعرف حقيقة الألوهية وحقيقة العبوديه، وإنهما ماهيتان مختلفتان لا تمتزجان. وهو خير من يعرف أنه من خلق الله فلايكون خلق الله كالله أو بعضا من الله) [10].

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجود · الصفحة ٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رد شبهة؛ سيد قطب والقول بوحدة الوجودص ٣