نحن لا ننزه سيدا من الخطأ، وحاشا لله أن ندعى له العصمة، إذ ما من إنسان إلا ويؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر صلى الله عليه وسلم - كما كان يردد إمام المدينة وعالمها مالك - ونحن قد نجد في الظلال وغيره بعض الألفاظ التي قد تحتاج إلى دقة أكثر لتتفق مع المصطلحات الشرعية في العقيدة الإسلامية، وهذا لا بد أن يكون مادام بشرا يخطئ ويصيب.
أما أن يصل بنا الأمر أن ننسب إليه تلك العقيدة الفاسدة الضالة، وهي: القول بوحدة الوجود، هذه القولة التي تكاد تخر لها الجبال هدا، سبحانك يا رب هذا بهتان عظيم.
إن وحدة الوجود تعني أن الخالق والمخلوق شيء واحد، وأن الأثر هو المؤثر، وأن الصانع قد ظهر في المصنوع لا انفصال ولا تباين.
إن وحدة الوجود تعني أن الحجر هو الله، وأن الصحن هو الله، وأن الحيوانات هي الله، فلم يعد هنالك فرق بين من عبد الحجر والصنم والشمس وبين من يعبد الله، لأنها كلها صور لشيء واحد هو الذات الإلهية - تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا -
هل يصدق عاقل أن سيد قطب كان يعتقد أن عبد الناصر هو الله، وأن حمزة البسيوني وشرطته هم صور الله، وأن صفوت الروبي الجلاد هو الله، وأن لا فرق بين من يعبد ابن غوريون ودايان، وبين من يعبد الرحمن.
هل يصدق ذو لب أن سيد قطب كان يعتقد أن السجن الحربي هو الله.
أو يدخل في عقل عاقل أن سيد قطب كان يظن أن الشجر والحجر والقرد، و الخنزيز والكلب صور لله عزوجل - سبحانك يا رب! إنها لإحدى الكبر -
والآن لا بد أن نقف على بعض الأقوال لمن قالوا بوحدة الوجود، وقبل أن أدخل معك لأطلعك على أقوالهم، أحب أن أبين أن سيد قطب قد هاجم القول بوحدة الوجود بالنص.
يقول رحمه الله في تفسير قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه، بل له مافي السموات والأرض كل له قانتون، بديع السموات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون﴾ [البقرة:117]، يقول في تفسيرها [3]: (والنظرية الإسلامية أن الخلق غير الخالق، وأن الخالق ليس كمثله شيء .. ومن هنا تنتفي من التصور الإسلامي فكرة وحدة الوجود - على ما يفهمه غير المسلم من هذا الإصطلاح - أي بمعنى أن الوجود وخالقه وحدة واحدة، أو أن الوجود إشعاع ذاتي للخالق، أو أن الوجود هو الصورة المرئية لموجده، أو على أي نحو من أنحاء التصور على هذا الأساس. والوجود وحدة في نظر المسلم على معنى أخر: وحدة صدروه عن الإراد ة الواحدة الخالقة، ووحدة ناموسه الذي يسير به ... ).
والآن لنرجع إلى أقوال الذي قالوا بوحدة الوجود، هؤلاء قوم كانوا يرون أن المصنوعات كلها صور للصانع حتى بلغ الأمر ببعضهم أن لايبصق على الارض ولا يستنجي بالحجارة لأنها في نظره صور لله عزوجل وتعالى عما يقولون علوا كبيرا [4].
يقول أبو يزيد البسطامي - سنة 260هـ -: (خرجت من الله إلى الله، حتى صاح مني في يا من أنا أنت، سبحاني ما أعظم شأني) [5].
وتحدث البسطامي عن حوار بينه وبين الله تعالى فقال: (ورفعني فأقامني بين يديه وقال لي: يا أبا يزيد إن خلقي يحبون أن يروك، فقلت: ربني بوحدانيتك، وألبسني أنانيتك، وأرفعني إلى أحديتك، حتى إذا رآني خلقك قالوا: رأيناك لتكون أنت ذاك، ولا أكون أنا هناك) [6].
وقال الحسين بن منصور الحلاج سنة - 309 هـ -: (مزجت روحك في روحي كما تمزج الخمرة بالماء الزلال، فإذا مسك شيء مسني، فإذا أنت أنا في كل حال).
وقال الحلاج:
أنا من أهوى
حللنا بدنا ... نحن روحان
وإذا أبصرته أبصرتنا [7] ... فإذا أبصرتني أبصرته
وأشهد فيها أنها لي صليت ... هذا كلام البسطامي والحلاج في وحدة الوجود، والقول ظاهر لامجال فيه لتأويل متأول، ولا لتفسير مفسر، أن الخالق هو المخلوق ولم يعد هنالك انفصال ولا تمايز و لا تباين، بل الصور هي الله، والأشياء هي الله؛ فعبادة الأشياء هي عبادة لله.