هذه هي الأسباب الجوهرية التي حملت الفاتح على قتل الوزيرين، لا كما زعم مؤرخو اليونان من أنهما ذهبا ضحية إمساكهما عن الظلم وعفافهما من الجور، ولو صدق ظنهم لكان الأحرى به أن يستبقي على الوزارة محمد باشا روم لما أساء إلى الأهلين في قرمان ولم يعزله شر عزلة.
بل لو كان الفاتح جبارا عتيا كما يزعمون لما ركب مركب الخطر، وأوشك أن يشهر حربا عوانا على ملك مصر، وهو يتأبى كثيرا من الجدال مع المسلمين في سبيل استرداد العلامة الملا كوراني قاضي بروسة، الذي بارح الأرض العثمانية على إثر تأثره من أمر أرسله إليه السلطان خلافا للشريعة المحمدية بعد أن مزقه إربا إربا ورماه عرض الحائط، حاول الفاتح كل ذلك ليسترضي الشيخ ويمحو تلك الزلة. وأكبر ما عزاه مؤرخو الروم إلى الفاتح قولهم إنه سن سنة في القانون المحمدي تقضي بقتل أفراد الأسرة المالكة في أيام ذكرى الجلوس دفعا للفتنة.
ولو وصل هذا القانون إلينا وأمكننا الاطلاع عليه لوفقنا إلى معرفة نصيب هذه الرواية من الصحة ودرجة اقترابها إلى الحقيقة، ولكنه حرق بأمر السلطان مراد؛ لأنه كان يضم بين دفتيه قيودا وشروطا شديدة الوطأة على السلاطين كما يرويه الخلف عن السلف، أو أنه لعبت به أيدي العبث والضياع لسبب آخر، فأصبحنا مضطرين للرجوع إلى القياس والعقل. وقد علم القارئ معنا أن القانون المحمدي وإن كان واضعه الأول هو الفاتح بنفسه، إلا أنه استفتى قضاياه واستقى موارده من كل علماء زمانه الذين كانوا كسلطانهم لا يخشون في الله لومة لائم، فلا يمكن أن يمالقوا أو يمالئوا فيما وسد إليهم من أمر الشريعة السمحاء، على أحكام بربرية أشد هولا وأفظع وقعا من مظالم جنكيز خان.
وهل يعقل أن الفاتح الذي رفض بكل إباء اقتراح تخيير الروم بين السيف والإسلام وقنع بالجزية منهم، أن يبتدع في الملك بدعة سيئة يكون من شأنها حمل أولاده وأحفاده على الاقتتال والتلاحم في سبيل الدنيا؟
وقبل أن ننهي كلامنا نجمل ما قلناه، من أن الفاتح كان من أعاظم رجال العالم الذين امتازوا ببسالتهم ودربتهم وتحلوا بجليل الأوصاف، كسرعة الخاطر وقوة الإيجاد ورباطة الجأش في الأزمات والشدائد. ولم يكن به ميل إلى التغلب كتيمورلنك، أو نزعة إلى الحرب والتخريب كجنكيز خان وما شاكلهما من ذوي المطامع الكبرى، بل كان يرمي إلى الاستعمار أكثر منه إلى الفتح، وكان على عظمة قدره وجليل مركزه يحب المزاح والنكات الأدبية.
8
وقد كان عهد دولته عرضة لأمرين، إما حياة أو عدم.
فكان يمكن الدولة أن تجتاح بر الأناضول وتكتسح بلاد الروم بغير عناء كبير، أو أن تخرج من هذا المعترك نافضة كفيها من البلاد التي استولت عليها بالصارم الذكر وحفظتها بحرارة الشباب، فالفاتح هو الذي ضرب سرادقها ورفع أعلامها بنور العرفان أكثر من نار السلاح.
نعم، إنه لم يفتد كل آماله وهوساته في مصلحته شأن عمر بن عبد العزيز، ولم يخلق جوادا يحسن إلى المسيء ويوالي العدو كصلاح الدين بن أيوب رحمهما الله.
إلا أنه لم يتأخر عنهما في اتباع سبيل الرشد واتخاذ العدل منهاجا، ووضع السيف حيث لزم وإقرار الندى حين وجب.
نعم، إنه سفك دماء غزيرة، وأباد جنودا كثيرة، وقتل ملوكا عدة، وحاسب رجاله حسابا نكرا، إلا أنه لم يتدنس قط باستعباد شعبه أو قتل أهل البلاد التي تولى أمرها أو استعمال الجريمة والفظيعة مع المحكومين، بينما كانت هذه العادات من عاديات الأمور في تلك العصور المظلمة.
وأشد ما جازى به من الجزاء التغريب والإقصاء إن كانت الإساءة موجهة إلى شخصه، كما جرى له مع سنان باشا وأحمد باشا.
أما مزيته الوحيدة التي جعلت له بين الأعاظم مقاما رفيعا ومكانا عليا وسجلت له في التاريخ سطرا مذهبا واسما مذكورا، فهي نقله الدولة من حال إلى حال، فقد كانت جيشا عرمرما، فانقلبت إلى جمعية مدنية، فدولة عظيمة الشأن، ثم حفظه إياها من الانقسامات الداخلية والهجمات الخارجية، وتأسيسها على أساس متين لا تزعزعه العواصف ولا تعمل فيه الأنواء، وها هي الآن تحت حكم بيت واحد وقد جاوزت القرن السادس من سني حياتها، والبلاد التي تملكتها في إبان إقبالها لم يذهب منها الثمن في بحران أدبارها.