تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويعزو بعض المؤرخين قتل خليل باشا ومحمود باشا إلى حبه بسفك الدماء، نعم إن السلطان قتل هذين الوزيرين، ولكن بعد أن بلغ السيل الربى ولم يبق للصلح موضع.

فخليل باشا هو أول من عمل على اعتزال السلطان للمرة الأولى ليخلو له الجو، وقد نسيها له لولا عوده إلى بذل كل مرتخص وغال في سبيل استبقاء نفوذه، فوشاياته لإمبراطور القسطنطينية من طرف خفي بفك عقال الأمير المرهون عنده، وتركه حرا في بلاد الدولة لتتهيأ لهما أسباب الانتقاض، وتحريضه على إبداء كل مقاومة وقوة في الحصار، ومحاولته إقناع السلطان على وجوب ترك الحرب كما ثبت بشهادة فريق من أعيان الروم، تدل على أن الرجل لم يخلص النية ويمحض النصح في أفعاله، فكان قتله جزاء وفاقا على تجسسه وخيانة وطنه، ولو وجد هذا الوزير اليوم بأي دولة راقية لما كان نصيبه إلا نفس هذا الجزاء حبا بتطهير البلاد من الأعداء الداخليين. على أن هناك أسبابا سياسية كبرى تدعو الفاتح إلى استئصال هذا الرجل؛ لأن الوزارة تأصلت في بيت الجندرلي بعد علاء الدين باشا،

7

وأصبحت إرثا ينتقل من الآباء إلى الأبناء، وأضحت وزارتهم كشراكة في بيت الملك، ولو ظلت على هذا النمط مدة أخرى وتولى الملك صبي أو أخرق، لنقل آل جندرلي الذي منهم خليل باشا السلطنة إليهم بدون كبير عناء كما جرى مع الأتابكة، وحصل التفريق في الملك وآل أمره إلى الانقسام والتجزؤ.

أما محمود باشا فكما ترويه التواريخ، هو غرس نعماء الفاتح، وقد خدم الدولة خدمات عظيمة، ولكنه وقع بخطأ الاعتداد بالنفس والاستئثار بالسلطة، حتى إنه كثيرا ما تطاول بدالته على الفاتح إلى جرح آرائه وتسفيه أحلامه، ففي سريته على البوسنة التي كانت خطتها ضبط تلك البلاد بأسرها وأسر ملكها لإخلافه بعهده، خالف أمر السلطان وآمن الملك في عقر داره، ولكونه (أي الوزير) قرواتي الأصل، وأخوه وزير لذلك الملك، فإعطاؤه الأمان خلافا لما أوصى به السلطان مدعاة إلى الظن به ومجلبة للشك والارتياب.

ثم توانى في نقل القرمانيين إلى العاصمة فاعتزل المنصب. وعند تربعه دست الوزارة للمرة الثانية حمل السلطان على الكف عن حسن الطويل بداعي فصل الشتاء، وفضل ضبط شبين قرة حصار عن تأثر العدو، الأمر الذي أدى إلى غضب السلطان عليه ونبذه له هذا الرأي بقوله: «إننا جئنا إلى هنا للإيقاع بالعدو وليس لضبط القلاع.» ثم تماهل في إمداد خاص مراد وسبب ذلك الانكسار المريع الذي طرأ على سريته، أضف إلى ذلك محاولته عن اللحاق بحسن الطويل، فسقط ثانيا من الوزارة.

وبينا هو معتزل في بيته توفي الأمير مصطفى نجل السلطان وأحبهم إليه، فحضر مع من حضر من الأعيان إلى العاصمة للقيام بواجب التعزية، على أن البعض وشى عليه بأنه يسر غير ما يعلن، وأنه شامت بوفاة الأمير لسابق بينونة بينهما في إبان مجده وأيام إقباله، وقد أدت به القحة إلى مناضلة الأمير، فخفق فؤاد الفاتح عند سماع هذا الخبر وارتعدت فرائصه، ولكنه تثبت في تحقيقه حتى علم أن الوزير يقضي أوقات فراغه في لعب الشطرنج جذلا مسرورا، وهو لابس الحلل البيضاء، بينا كان الشعب بأسره في عزاء دائم وترح مستمر، فاندفع الفاتح بدافع التأثر العظيم على قتل وزيره الذي كفر بنعمائه، ذاكرا ماضي أعماله وخياناته في البوسنة وقرمان وواقعة حسن الطويل، وقد يكون أمان الوزير على ملك البوسنة ضربا من الكرم والإحسان، وإبطاؤه في نقل القرمانيين والرفق بهم نوعا من الرحمة والحنان، ومعارضته في تجريد الجند على حسن الطويل في أيام الشتاء فتخلفه عن محاربة العدو وتفضيله ضبط شبين قرة حصار صنفا من التبصر، وعدم عنايته بمأتم الأمير شكلا من الصلابة في الدين والمتانة في المعتقد؛ لأنه شيء يرده العقل والنقل. ولكن كيف يكون موقف سلطان يستشعر من رجل خيانة أو إساءة إلى وطنه، وقد رقي به من الحضيض إلى الرفعة، وشأن والد ثاكل يحس على بعض خدمه شماتة بفقد فلذة كبده بعد أن أغدق عليه إزاء هذه الحادثة؟ لا شك أنه يفقد الرشد ويضيع الصواب.

سيرة الفاتح · الصفحة ٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ٢٨