تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يتسن هذا البقاء لدولة من الدول الكبرى سوى الرومانيين، على أن التنصل بطفيف الخسارة من عظيم الصدام الذي كان يعارض سير الدولة حينا بعد حين، ودوام عرشها في سلسلة متصلة الحلقات من آل عثمان، هو العمل الوحيد الذي لم يسبق مثيله لأمة من الأمم.

والذي يجدر بالذكر أن الفاتح أتى بخلال سلطنته التي تربو عن الثلاثين عاما ما يعجز عن إتيانه غيره في مائتين من السنين، وقد ألقت دولته عصاها وامتدت إلى ما شاء الله أن تمتد، وضربت من الكمالات والتنظيمات بأوفر سهم، حتى إنك لتخالها طوت القرون بباهر المعجزات، وجمعت إلى طراوة الشباب وشجاعته قوة الكهولة وثباتها، فعظم شأنها وعلا قدرها.

وعلى هذا يكون الفاتح قد اختط لنفسه خطة إيجادية لم يقلد بها أحدا، ولا يمكن لأحد أن يقلده بها، ولم يشبه فيها أوليفيه كرمويل الإنكليزي، أو بطرس الأكبر الروسي، أو فريدريك الأعظم الجرماني، مما جعلته في مصاف العظماء الذين ينبغون عادة في كل قرن مرة ولا يتعدون عدد الأصابع، بل في مقدمتهم؛ لأن كثيرا من العظماء رقيت بهم الظروف إلى أوج السعادة والكمال، أما الفاتح فقد رقي بزمانه إلى قمة المجد والفخار بسعيه المتواصل ودأبه المتناهي.

سيرة الفاتح · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ٣٠