تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الحقيقة إن القوى التي كان يستند إليها الفاتح هي شعب من أخلاط الأمم، ودولة صغيرة لم ترسخ قدمها وتأخذ مأخذها، وبعض رجال تتلمذوا عليه. أما العراقيل والمشاكل التي كانت تكتنفه فهي خطيرة للغاية ودونها خرط القتاد.

أجل، يحق للتاريخ أن يمجد ويجل من بين أبطاله روح الفاتح العظيم، وهو الذي ناوى أوروبا، بل العالم بأسره ثلاثين عاما أبلى بها بلاء حسنا، وجاهد في سبيل الله حق جهاده، ولم يكن لديه سوى مائتين وخمسين ألفا من الجنود التي تركها له أجداده العظام ميراثا وعدة، وقد استولى بهم على ست عشرة مملكة ومائتي مدينة محكمة، وجعل دولته الحكومة الوحيدة التي لها الحول والطول والقوة والمنعة في ذلك الزمان.

وللفاتح مأثرة بقاء هذه الدولة مصانة من العطب، فإن الفتوحات التي سبقته وكان من ورائها ضبط بعض البلاد في الأناضول والروملي كانت عرضية سريعة الفناء، كالجزر وما يليها مما يتكون عادة عند حدوث طوفان كبير أو سيل عرم في أرض ذات شعوب ومنعرجات وأغوار وأنجاد، وعند زوال السبب تبطل المسببات.

فهو الذي ضرب في عرض هذين القطعتين ووسع حدود بلاده وحمى حماها وأمن عليها من كل خطر؛ لأنه لم يدع للأعداء سوى قلاع قليلة كبلغراد وأينابختي وغيرهما بعد أن ضرب عليها نطاقا من الحصون والمعاقل.

فبضبطه جزر الأرخبيل حفظ ثغور بلاده، وبجهاده العنيف جعل البحر الأسود كبحيرة عثمانية، وبتحكيمه كل النقاط المهمة على حدود بلاده أمن الغوائل، وباتخاذه نقل رعاياه المختلفي المذاهب والمشارب من بلد إلى آخر عادة مفيدة وبدعة حسنة؛ ساوى بينهم من حيث العدد والحقوق ودرأ وقوع الانقسامات الداخلية والهجمات الخارجية؛ لأنه كان لديه في كل قطر ومصر قوة إسلامية كبيرة من أهليها شاكيي السلاح ومتأهبين لكل نازلة وكارثة.

والذي يقضي بالعجب العجاب أنه بالرغم عن نجاحه في فتوحاتها وحروبه الخطيرة لم يدر في خلده أن يتجاوز بدولته الحدود الضرورية لها، فإنه ضرب صفحا عن الاستيلاء على بلاد الفلاخ والبغدان والمجر في أوروبا، وطوى كشحا عن ضبط كردستان وأذربايجان في آسيا، وقد كن لا يقفن في وجهه برهة يسيرة من الزمن، واشتغل بفتح قلعة أشقودرة السنين الطوال وبذل في سبيلها كل مجهود وموجود؛ وذلك لأنه كان يرى أن أشقودرة تعوزه في حفظ كيان بلاده، وغيرها تضر بمصلحتها بالنسبة إلى حالة الدولة الحيوية وقواها الموجودة إذ ذاك.

ولم يقف الفاتح في ملكه عند حدود الماديات، بل اشتغل بالمعنويات أيضا، فقد دون القانون المحمدي وعين به وظائف رجال الحكومة من السلطان إلى أصغر جندي، وأفرد فيه فصولا خاصة في الإدارة والقضاء والسياسة والجندية، وبعد عرضه على كثير من العلماء الذين كانوا يؤمونه من مشارق الأرض ومغاربها وتأييده بما ينوف عن مائتي فتوى من كبارهم، وضعه موضع العمل واستعمل الشدة والمضاء في تنفيذ أحكامه.

ونظر إلى مستقبل الدولة التي بلغت في حاضرها من الإقبال والكماليات مبلغا عظيما، فجعل بلاده مباءة للعلم ومألفا للأفاضل، إلى حد أنه جمع كل ما عثر عليه من ذوي الباع الطويل والاطلاع الواسع في العلوم والمعرفة، وعقد بهم ديوانا دائميا يرجع إليه في حل المسائل العلمية والقضايا السياسية، ولبث هذا الحال جاريا إلى ما قبل عصر واحد، حيث تفرقت تلك الجامعة العظيمة أيدي سبأ بسبب ما اعتورها من الخلل.

وفرض في أمر التعليم طريقة الإحصاء، فحصر العلوم النقلية من فقه وحديث وغيرهما في مدارس، والفنون العقلية من طب وهندسة وسواهما في أخرى. وقد نبغ العارفون في عهده نبوغا عظيما؛ لأن قاعدة توزيع الأعمال أتت بفوائد جمة ونتائج مرضية، حتى إن أوروبا قلدت الفاتح بطريقته هذه قبل قرن من زماننا وجنت ثمارها الشهية.

ولو أن خلفاء الفاتح مشوا على طريقته وضربوا على قوالبه لكانت القسطنطينية اليوم محور العلوم وقطب دائرة التمدن العصري، أما الصناعة فكان لها منه أيضا حظ وافر ونصيب كبير. وكان يأتي بمهرة الصناع من البلاد المفتوحة إلى العاصمة؛ ليستخدمهم في المعامل التي أنشأها.

سيرة الفاتح · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ٢٣