تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولم يغرب عن فكره الوضاء التجارة، وكان جل ما رمت إليه مطامعه من توسيع نفوذ العاصمة هو فتح الأبواب العظيمة للتجارة وترويج أسواقها الكبيرة.

وللسبب ذاته تلقاه أجلى الجنويين عن شواطئ البحر الأسود؛ حتى يتمكن من استدرار تجارة آسيا بتمامها إلى العثمانيين، وتلفيه عقد مع البندقية اتفاقية المكوس «الجمارك» لقاء رسم طفيف، لكي يستورد متاعها بكثرة.

وهو أول من عاقد وعاهد الأوربيين ووضع أول حجر من أساس الصلات معهم بدليل هذه الاتفاقية، وأخرى عقدها مع ملك صقلية.

ويجدر بالقارئ الكريم أن يتفق معنا على أن الفاتح كان من الأعاظم الذين خدموا بلادهم وأوطانهم خدمات مبرورة ومشكورة، وتركوا في العالم أثرا لا يمحى واسما لا ينسى، بل يزيده مر الأيام جدة، كيف لا وقد كانت عنايته تعم الجزئيات والكليات وتشمل الحقير والجليل من الأمور، فلا يدع شيئا إلا ويتولاه بنفسه ويسلك به المحجة البيضاء، فقد كان قائدا مدربا وجنديا باسلا في آن واحد، فإذا حلت الكريهة تلقاه الرجل الذرب الذي يشق غياهب الأمور وينورها بباهر الحكمة وواسع الإدراك، وإذا تكونت الكائنة تراه البطل المغوار الذي يستهين الموت ويزدري بالنكبات، فإذا تقدم جيشه كان في مقدمته، وإذا تقهقر كان في مؤخرته، وكان عارفا بجنود جيشه فضلا عن قواده بالذات والصفات والمكانة الحربية، ومطلعا على دخائل الأمور ومكنونات الصدور، فيجزي المحسن ويجازي المسيء.

وبقدر ما أعار الأصول من العناية والدقة وجه اهتمامه نحو الفروع، فيكفيك من ذلك أنه عني بزرع عرق الإنجيل الذي يضرب بجذوره في بطن الأرض ويتماسك مع التراب جيدا على ضفاف الخليج (القرن الذهبي)، لئلا يمتلئ من الأتربة التي قد تنهال عليه، وقد دون ذلك في القانون الذي وضعه ليكون من جملة اللزوميات النافعة للمملكة.

ولو اطلعنا اليوم على قيود الوزارات القديمة لوجدنا أن أعمال عهد الفاتح أنظمها شكلا وأرتبها حالا وأوسعها تفصيلا وإجمالا.

وناهيك بزهده ورغبته عن الدنيا، فإنه اختار لنفسه زي العلماء من عمامة وكساء، تاركا زينة الملك بل محقرا إياها.

وقد اعتبر الفاتح الأدب الإنساني فوق دأب الحكومة وخصائصها، في أيام كانت قوة السلطنة وسطوتها في إلقاء الرهب والرعب في القلوب والأخذ بالنواصي والأقدام، فكان يلثم يد أستاذه الملا كوراني حيثما قابله، ويقف قائما للملا خسرو الذي كان أفضل فضلاء زمانه أو إمامه الأعظم على رواية الفاتح نفسه، حتى لو قدم عليه وهو في المسجد احتراما لمكانته العلمية.

ولما ذهب علي قوشي إلى بلاد الروم عين له في كل مرحلة من مراحله ألف درهم تصرف في سبيل نفقاته وجرايته، حتى جرى كرمه لقاء العلماء مجرى المثل، وصاروا يؤمونه من كل فج عميق.

ومن هذا القبيل الملا جامي الذي كان إذا امتطى مطيته أمسك السلطان حسين بايقرا في ركابها، وأخذ على شيرنوايي الوزير بلجامها، فإنه ترك كل هذه المظاهر والاعتبارات وقصد وجه الفاتح الكريم مما وراء النهر.

4

وكان يقضي أكثر أوقات الفراغ بالمسامرات والمحاورات العلمية، حتى إنك لتراه يستحضر إلى مجلسه العارفين ويلقي بينهم مطلبا أو مبحثا هاما، إلى أن يحمي بينهم الوطيس وتأخذ الحدة حدها فيقوم عليهم حكما، ومن المأثور عنه في هذا الصدد توليه الحكم في جدل إثبات الواجب المشهور بين ابن الخواجه وابن الخطيب.

وكان يقدر الكتب والمصنفات حق قدرها، ويحسن إلى مؤلفيها بالهبات الطائلة والعطايا الجزيلة، ويرسل النافع منها إلى أنحاء المملكة بأوامر سلطانية لينشر ويعمم ما بها من فرائد الفوائد، ويزور المدارس، ويحرض الطلاب على السعي وراء العلوم واجتناء ثمراتها، ويراسل أفاضل أوروبا وآسيا على لغات شتى خدمة إلى المجمع العلمي الذي أنشأه في بلاطه، ويكتب أكثر كتبه الأدبية والعلمية بخط يده، شأنه في كتابته محررات الدولة الرسمية.

سيرة الفاتح · الصفحة ٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ٢٤