وقد توفي رحمه الله سنة 886 وله من العمر ثلاثة وخمسون عاما، قضى إحدى وثلاثين منها في السلطنة.
إن الذكرى الحسنة والشهرة الطائرة التي أوتيها الفاتح عن جدارة واستحقاق في تلك العصور الخالية عمت المشرقين والمغربين، وطرقت آذان العدو قبل الصديق؛ ولذلك لا تجد أمة من الأمم إلا وأحلته محل الاحترام، وصنفت الكتب العديدة بين روايات ورسائل بتاريخه وترجمة حياته وأخلاقه التي كانت نعم المنوال الذي ينسج عليه.
ولا بدع في ذلك، فإن عهد سلطنته كان صحيفة رقي العثمانيين المذهبة وفصل انقلاب عظيم في كتاب الكائنات.
ويكفيه فخرا أنه حاصر القسطنطينية واستعمل لها الآلات من الطرازين القديم والحديث، واتخذ الفكر خير رائد ونعم مرشد، فسير السفن على وجه الغبراء بدلا من أديم الماء، ثم قضى على مملكة حكمت آلافا من السنين وأقام مقامها أمة جديدة، واستبدل مركز ديانة كبرى في مقر خلافة عظمى، واختتم القرون الوسطى وأدخل العالم في دور جديد.
حتى إن الأروام الذين هاجروا إلى الغرب بعد ولوج القسطنطينية في حوزة الإسلام أصبحوا أساتذة الأوربيين الذين أشربوا في قلوبهم حب العلم من اختلاطهم بالأندلسيين قبلا، فزادوهم نورا على نور.
فالفاتح هو الرجل الفرد الذي يعد صاحبا للقرون الأخيرة وواحدها.
ولو أمد الله في حياته قليلا وقيض له أن يمد أحمد باشا كدك في حملته على إيتاليا، وتمكن من حفظ البلاد التي دخلت في كنفه من الرجوع إلى الأعداء ثانية، لوفق إلى الاستيلاء على رومية العظيمة مهد العلوم وينبوع المعارف الحديثة في تلك الأيام، وجعل إستانبول عرش التمدن الوحيد الذي يحف حوله العالم الإنساني وتطال إليه الأعناق.
ومما يذكر له أنه اعتبر التصور والترتيب في حروبه أصلا ومشى عليه في كل حركاته، فأزهرت مساعيه وأثمرت هذه الثمرات الدانية القطوف، ومن المؤكد أن أول جيش منظم حارب بالأسلحة النارية هو جيش الإنكشارية الذي حاصر به أشقودرة، وعليه يكون الفاتح الأستاذ الأول في فن الحرب الحاضر.
أما اختراعاته فقد قطع بها مسافة طويلة وشوطا بعيدا، ودامت القواعد الحربية التي وضع أساساتها معمولا بها إلى أن ارتقت الأفكار في أوروبا وتغير وجه العلم وتبدل الخبيث بالطيب في خلال القرن الثامن عشر، وسرت تلك الروح التي أحيت النفوس وشرحت الصدور إلى الجندية، وكان من ورائها التنظيمات الجديدة، فكان الجيش العثماني لا يفل له سيف ولا ينكص على عقبه ما دام يقوده قائد مدرب.
والفضل في قيام الدولة على أمتن أساس راجع إلى تلك الاختراعات الباهرة والتصورات النافعة، التي لولاها لما أمكن الدولة أن تحفظ مركزها وتثبت دعائمها، أمام تلك السيولة الجارفة والجيوش الجرارة التي كان يدفعها البابا من جهة، وحسن الطويل من أخرى، والتي امتزجت معها أمم شتى وقبائل عدة في أوروبا وآسيا، حتى بلغت أمثال العثمانيين مثنى وثلاث ورباع، وتولى قياداتها زعماء لا يقلون عن الفاتح دربة وحنكة، ولكنه ساد عليهم بشجاعته التي كانت تضرب لها آباط الإبل، ورأيه السديد الذي كان يسبقها.
وإذا علمت أن سكان البلاد التي استولى عليها الفاتح وبقيت معه في حرب سجال اعتادوا خوض المنايا واقتحام الأهوال، فأصبحوا رجالا أشداء، إلا أنهم لم يقووا على الوقوف أمامه في ميادين الطعن والنزال، فكانوا يتسلقون الجبال ويأوون إلى الكهوف ويلوذون بالأنهار، مما جعل كل موقف من مواقفهم حصنا حصينا وركنا ركينا يقيهم بأس الفاتح قدرت ما عاناه من المتاعب والمصاعب وما تجشمه من الأخطار، وهذا ما دعا الفيلسوف الخطير «بل» الإفرنسي بأن يعترف بكتابه مأخذ التواريخ أن الفاتح أعلى كعبا وأعظم قدرا من الإسكندر؛ لأن الأخير لم يصادف في طريقه من يماثله أو يقاومه ولم يعترض سيره معارض.