وكان سوء الحظ قد دفع ضابطا من المتدرعة للوقوف أمامه، فخفر سيف الفاتح ذمة مغفرة ووصلت شفاره الدقيقة الغرار إلى حلقومه، وسار في صولته حتى إذا بلغ النقطة التي حمي بها وطيس الحرب وغلت مراجل النزال، وأخذ يشجع جنده بحماسي المقال وإراءة المثال، فعادت لهم روح الشجاعة، وقد أوشكوا على النصر لولا أن اختل نظامهم وتقطعت أوصالهم بوفاة قراجه باشا أمير أمراء الروملي وزعيم الإنكشاريين الواحد تلو الآخر.
ولو وقفت المصيبة عند هذا الحد لكانت تحتمل التحمل، ولكنها تحدت إلى أبلغ منه، فجرح السلطان في فخذه جرحا بليغا وسقط عن جواده صريعا، وأصبح الجيش كجسم خامد انفصلت عنه روحه.
ومما يسطره التاريخ بالفخر لرجال البلاط الملوكي، التفافهم حول سلطانهم كأنهم سور من حديد أو سوار في معصم، وثباتهم في النضال عن مولاهم وحفظه من العدو.
ولم يدخر الأمراء وسيلة في منع هزيمة الجنود وتهدئة روعهم، ولكنهم كانوا كالصارخ في الواد، إلى أن أراد الله بعباده خيرا وأعاد للفاتح قواه، وقام يلتمس تلمسا والآلام تشاغله والأوجاع تتناوبه، وما كف عن القيادة، بل جمع خمسة أو ستة آلاف من فرسانه وحال بين الأعداء وبين ما يشتهون، وأخذت الجنود ترجع بانتظام.
زعم بعض مؤرخي الإفرنج أن العدو استولى في هذه المرة على كل مدافع الجيش العثماني، والحقيقة خلاف ذلك، فإن التواريخ العثمانية ما ذكرت من هذا شيئا ولا عرضت به أثناء الحديث، مما يدلنا على أن هذه الرواية مختلقة، فضلا عن أن الفاتح كان لا يتمكن من الوقوف في وجه عدوه، وهو جيش عرمرم خاض غمار الحروب ويخضب بالدماء، يرأسه قرم عنيد كجان هونياد بعد اضطراب حبل جيشه لو صح أن المدافع ضبطت منه.
ما لنا وذلك، ولنرجع إلى الفاتح، فإنه لما رأى صعوبة العمل وإخفاق المسعى أشفق على النفوس البشرية التي خلقها الله في أحسن تقويم، وقرر إقامة استحكامات في المراكز الضرورية ليسقط أهمية بلغراد الحربية ويوشحها بنطاق من الجند العثماني، ويأمن بذلك غائلة المجريين الذين يأوون إليها المرة بعد الأخرى ويقفون في سبيله.
وأرسل عيسى بك نجل حسن بك والي ويدين لشن الغارة على بلاد المجر نفسها، فرجع أبناؤها إلى بلادهم ليحموا حماها، وعلى هذا الوجه أفلح الفاتح في تطهير البلاد منهم، وعاد إلى أدرنة وباشر بإقامة الأفراح لختان صغار الأمراء، مظهرا عدم اكتراثه من رجعته إلى بلغراد التي كان يعتبرها قضاء إلهيا وقدرا مقدورا، والغريب أن خوف الأعداء من رجوع السلطان غير ظافر كان أشد وقعا وأعظم تأثيرا من شهرة انتصاراته السالفة؛ لأن البابا كان أرسل عشر سفن وبعض قرصان البحر المسيحيين أربعين سفينة للعبث بالأمن في الأرخبيل وحث أهل الجزر على الانتقاض، وكادت أن تقوم قيامتهم لولا رجوع الفاتح عن حصار بلغراد، فسقط في يدهم وذهبت ريحهم، وأوفدوا السفراء خاصة يطلبون تجديد الصلح بشروط مهينة لهم، وفوق ذلك فإن حاكم البغدان التي هي أقرب البلاد للمجر بادر إلى إعطاء الجزية، وأثبت أنه يقدر الفاتح حق قدره ويخشى بأسه، وبعد انقضاء الأفراح والولائم أخذ السلطان يستعد لإعادة الكرة على سربيا تشفيا، وبينا هو في ذلك جاء للديوان رجل بصفة مدع قائلا: «إنني تاجر رحالة أتنقل في بلاد المورة، وقد راعني ما رأيته من مظالم حكومتها وجورها علينا نحن المسلمين، فكل الأحزاب التي تتولى زمام الأحكام هناك تجعل ديدنها الحيف بنا، والخسف علينا إرضاء للرأي العام والعنصر الغالب، فأطلب إلى السلطان بالأصالة عن نفسي وبالنيابة عن مواطني، وبينهم الأيامى واليتامى أن يرمقنا بنظرة حنان ويحمي ذمارنا.»
أصاخ الفاتح لهذه الشكوى المرة، وكانت تعلو وجهه أمائر الانفعال وعلائم الحزن، حتى إنه لم يتمالك عن التململ والبكاء طويلا، وأمر في نفس الجلسة بإعلان الحرب على المورة، ولم يخش شدة الأمطار المتواصلة والأنواء المتتابعة في موسم الشتاء وبارح إستانبول قاصدا الجزر، وفوق ذلك ما أهمل مسألة سربيا أو أمهلها، بل بقي مصرا على فكره ثابتا في عزمه بشأنها، وجند جيشا كبيرا تحت قيادة وزيره الأعظم محمود باشا للقيام بتلك المهمة التي سلبت راحته وشغلت باله منذ أزمان.