علم بذلك جان هونياد القائد المجري الشهير، فتحين فرصة رجوع الفاتح وهجم على جيش فيروز بك مبادرة وفرقه أيدي سبأ، وخرب مايلي ويدين حتى إنه لم يسع الفاتح عند سماع هذا الخبر إلا السفر غير مبال باختلاف الطقس وصبارة القر، وما كاد يصل إلى صوفية إلا وسلم له ملك السرب على أن يدفع الجزية عن يد وهو صاغر؛ لعلمه أنه ومعاونيه المجريين لا يتمكنون من الوقوف أمام العثمانيين، فلم يبق ثم حاجة لحرب أو خصام.
ثم توفي الملك المشار إليه بعد مضي وقت قليل، فانفتح له باب ثان لطلب الميراث، وجدد الفاتح تجريدته على الشمال عن طريق أسكوب، وحاصر نواوره فما قاومت معداته التي أتمها في معامله قبلا وسلمت بعد أسبوع فقط، كما سلمت له تريجا وطاش حصار وتوجه إلى سلانيك توا. أما سبب ذهابه إلى سلانيك فهو مراقبة أعمال أسطوله وحث رجاله على الثبات في مواقف الدفاع، وعلة تمرين الأسطول هي إصلاح الحالة المختلة في الأرخبيل؛ حيث إن زعيم الشفالية القائم في رودوس تمرد على أداء الجزية قبل سفر سربيا، وبعض أهل الجزر تمنعوا عن دفع مطاليب العثمانيين وتعرضوا للسفن التي تخفق عليها رايتهم، وهاته الأحوال على بساطتها لها عند الفاتح شأن مذكور، فهو يعتبر إثارة الحرب أهون من شق عصا طاعته، ويعد مساس حق فرد من رعاياه بمثابة الاستيلاء على كل مملكته. هذا ما دعاه إلى الاهتمام بحالة الجزر وإرسال أسطول ضخم لا يقل عن مائة وخمسين سفينة.
على أن الأسطول لم يكن في الحال المنظمة التي تمكنه من القيام بأعمال خطيرة تقضي لبانة السلطان من ضبط الجزر عن بكرة أبيها، فاكتفى بإطلاق أيدي الغارة في ربوعها واستعمال بعض الضغط مع أهليها، وكان موسم الربيع قد أقبل وأخذت الأرض زخرفها وازينت، فقام لإكمال سفر سربيا، واستصحب جيشا عرمرما يبلغ المائة والخمسين ألفا ومائة مدفع أعدها حديثا، وتوجه إلى بلغراد، وأقام في الدانوب أسطولا صغيرا ليعترض المجريين عند إمدادهم السربيين.
وجمع جان هونياد جنود المجر وأمده البابا بستين ألفا اجتمعت تحت لوائه، واشترك معه أسطول لا يقل عن مائة سفينة، والتقى الجمعان في ضواحي القلعة، وغلب الأسطول العثماني مرة لقلة عدده وعدده ونقص خبرة رجاله، ومع كل ذلك فقد اقتصر العدو الذي تراخت أعصابه وخارت قواه على مناوشة الجنود العثمانية من وراء حجاب؛ أي إنه رجع إلى حصونه ومعاقله وبدأ بالدفاع.
وما لبثت المدافع العثمانية أن دمرت بعض أنحاء السور القائم حول القلعة، وهجم العثمانيون هجمة عنيفة استولوا بها على بعض أرجائها.
غلب العدو على أمره ولم يبق لجان هونياد في القوس منزع، وبينما هو يتأهب للقفول بصفقة الخاسر إذ قام الراهب يوان كايسترتو من المتطوعة مفضلا النار عن العار، والموت الشريف على الحياة الذليلة، وجمع ثلة من أبطال قومه حملوا على الجنود العثمانية حملة منكرة من جانب القلعة الآخر، فوقفت جنودنا وقفة الريب، وظنوا أن هناك خدعة حربية وشركا منصوبا؛ لأن الحماس الذي أظهره العدو بهذه الآونة بعد ذلك العجز في النضال والفتور في الذب عن القلعة ضدان لا يجتمعان، وفضلوا الرجوع ولكن لا تسل كيف رجعوا، إنهم كانوا كلهيب النار التي تحاول أن تدلع لسانها إلى أمامها فتعاكسها الريح وتردها أصرا.
ورأى هونياد ما حل بالعثمانيين وقد ساورهم الفشل، فاسترجع رشده وجمع جنده وأعاد عليهم الكرة، وما كان هؤلاء يتوقعونها، فأزاحهم من مكانهم.
نظر الفاتح إلى هذا الأمر نظرة المتحير، وناهيك بسلطان يعتقد بأن جيشه لا تفل سيوفه في الحروب البرية خاصة وقد غلب لقاء عدو لا يعتد به، بل هو بالنسبة إليه كالصيد تجاه الصياد الماهر، فاضطرب الفاتح وقطرت شفتاه دما من عظيم انفعاله، كأنه أسد أصيب بجراح بالغة، وما تمالك أن ألقى بنفسه في معترك الهيجاء بدون أن يلبس درعه، عزلا من كل سلاح ما عدا سيفه، وخلوا من النصير خلا رباطة قلبه.