تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اشتغل الفاتح زهاء ستة شهور بالحصار، واستولى على أهم القلاع وعاد إلى أسكوب حيث يقضي أيام الزمهرير بها، وهناك وافاه وزيره محمود باشا الذي ناب منابه وسد غيبته في جهات سربيا، وضبط كل القلاع التي يرمي إليها ما عدا سمندرة، وأرسل رواده ومستكشفيه إلى بلاد المجر ليحتلوها.

وقد انتشرت أخبار هذا النجاح ودارت على الألسن والشفاه، فاضطر المجريون المتحالفون مع السرب والمجبورون للوفاء بعهدهم على التزام السكينة، والاقتصار على إرسال بعض روادهم.

وعلم حاكم بوسنة بنية السلطان من جهة سمندرة، واعتقد أنه مغلوب لا محالة، فسلم مقاليد القلعة عن رضاء نفس وطيبة خاطر، وكفى نفسه وبلاده مئونة الحرب وعناء الكفاح، ثم انتقض الجنويون وقاموا يطالبون بغلطة، وقد سبق لنا البيان بأنها سلمت على أثر فتح القسطنطينية ولجأت إلى كنف الدولة العادل، فرأى الفاتح في ثنيات هذا الطلب تعرضا ظاهرا وعملا مهينا له، فرده ردا جميلا.

أما الجنويون فإنهم أشهروا الحرب وأرسلوا أسطولهم من أماصره ليناوئ السفن العثمانية الراسية في البحر الأسود، فاضطر الفاتح للتفرغ إلى هذا العمل، وعقد هدنة مع إسكندر بك الذي ظهر واستفحل أمره في ألبانيا إلى أجل محدود وأيام معدودات، وزحف توا على الساحل، وما كاد يصل إلى أماصره إلا وقد سلمت له رهبة من جيشه وأسطوله قبل أن يصليها نارا حامية ويجعلها قاعا صفصفا.

هذا من جهة، أما من الثانية فإن محمود باشا اختلس فرصة وجوده في جهات الأناضول، وعرض بلزوم اختبار ولاء إسماعيل بك الإسفندياري حاكم قسطموني وسينوب، أو بالحري مناصبته العداء، ولا ندري إذا كان هذا العمل هو خدمة خالصة لوجه السلطان وخير البلاد من الوزير أو توددا وتزلفا إلى صديقه قزل أحمد أخي إسماعيل المذكور، ولما كان السلطان يود من كل فؤاده استئصال جرثومة ملوك الطوائف وقطع دابرهم من شبه جزيرة الأناضول والروملي تقبل هذا الطلب قبولا حسنا وأحله محل الاعتبار، وكان إسماعيل بك رجلا بعيد النظر دقيق الفكر، فلم تغرب عنه نوايا السلطان وآمال محمود باشا من حيث مودته لأخيه قزل أحمد، وزاده احترازا وخشية كتمان أمر هذه التجريدة وتحصن بادئ بدء في سنيوب، ولكنه لم يطل جفاؤه ويظل على عدائه لما رأى الأسطول والجنود قد حاقت به من كل صوب وحدب، وبادر لتسليم القلعة ليثبت ولاءه قولا وفعلا.

قابل الفاتح جنوح إسماعيل بك إلى السلم بالاستحسان، وكاد أن يبقي على حكومته لولا اضطراره إلى رفعها من طريق دولته جرا لمغنم ودفعا لمغرم، فدعاه إلى ديوانه وحاسنه بلطيف الرقة ورقيق اللطف، وأقطعه مقاطعة يكي شهر التي هي أعظم موارد وأعذب مناهل من إيالة الإسفندياري، وعاد بعد تجشمه مشاق السفر مدة شهر أو شهرين غانما ظافرا؛ لأنه أمن شر عدو قوي في سواحل البحر الأسود، وقضى على طائفة من ملوك الطوائف.

وبينما كان النجاح يكلل آمال الفاتح في الغرب ويطير اسمه في كل قطر ومصر، كانت يد الزمان تهيئ له عدوا عتيدا في الشرق، هو: أوزون حسن (حسن الطويل)، زعيم عشيرة آق قيونليلر «ذوي الأغنام البيضاء»، ومن أبطال قومه الأشداء.

ظهر هذا الدعي في البلاد الكردية وعاث هو وإخوته فسادا في الأرض، وقد تزوج من ابنة إمبراطور طرابزون، ولا يخفى أن هذه الإمبراطورية هي من بقايا آثار حكومة القسطنطينية، وقد دخلت في كنف الدولة العثمانية على أيام السلطان محمد جلبي، وأصبحت تدفع لها خراجا معينا، فقام حسن الطويل يحاول حماية حميه وقطع الخراج عنه عندما كان الفاتح في تجريدة أماصره، وتعدى هذا الزعيم على حسين بك الضابط العثماني القائم في قيونلي حصار واحتل حصنه، وأرسل الفاتح حينئذ سرية من جنود الروملي تحت قيادة حمزة بك لتعاقب المذكور على عمله الشائن وفعله المعيب، ولم يوفق القائد؛ فبعث الزعيم بعض رواده لداخلية البلاد ليكشفوها.

سيرة الفاتح · الصفحة ١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ١٢