تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه رواية التاريخ عن الفاتح العظيم، وهي أعدل شاهد وأظهر برهان ينطقان بزهده وتقشفه عن الدنيا، وخشوعه وخضوعه إلى خالقه الكريم.

أقام الفاتح في إستانبول زهاء عشرين يوما قام فيها بتدابير سياسية عظيمة كهدم أسوار غلطة من جهة البر، وترميم حصون إستانبول، ونقل خمسة آلاف عائلة من ساحل البحر الأسود إلى المدينة ليزيد عمرانها وحضارتها. وما نسي واجب العدل والرحمة بإعلان الحرية المذهبية واحترام الطقوس الدينية باستبقاء بطركية الفنار، وفك عقال الأسرى من سراة البلاد، ودفع فكاكهم من بيت المال.

والغريب أن هاته الأعمال التي جاءت غرة في جبين المكارم وقرة لعيون الكماليات، لم ترض فريقا من عمال السلطان المتغاليين في تعصبهم والمفرطين بسياستهم، بل انتقدوها عليه زاعمين أنه لم يبق ثمة مانع من تخيير الروم بين السيف والإسلام، وأن من الخرق في الرأي ترك رجال الحكومة السابقة أحرارا؛ لأن ذلك يعقبه انتقاض عن أيدي هؤلاء المضلين.

سمع الفاتح هذا التعريض، وأجاب عن الأول بجواب كان فصل الخطاب إذ قال: «إن محاولة حماية الدين المبين أكثر من شارعه العظيم

صلى الله عليه وسلم

يعد مروقا عن الصدد وزيغا من الحق.» وأما الثاني قد أثبت الاختبار صحته؛ لأن وجهاء الروم عقدوا اتفاقا تحت رعاية نوتارون من وزراء قسطنطين الإمبراطور، وقرروا استحثاث مسيحيي أوروبا وإثارة خواطرهم ضد العثمانيين، وكانت مقابلتهم هذه سيئة كبيرة وذلة لا تغتفر في جنب عفو السلطان عنهم وانعطافه عليهم؛ ولذلك لقوا ما جنت أيديهم وذهبوا للنطع ضحية نكرانهم الجميل.

وقد أدى سقوط إمبراطورية القسطنطينية تلك السقطة الهائلة التي رن صداها في مشارق الأرض ومغاربها، وسارت بذكرها الركبان إلى زعزعة أركان حكومة المورة التي كانت بيد أخي الإمبراطور، فحمل عليها الألبانيون، وتوسل الأهلون بالفاتح الذي كان يتوقع بنافد الصبر مثل هذه الفرصة لكي يوسع حدوده في الروملي ويضرب بعرضها، فأمدهم بطرخان بك نائبه في منع اليونانيين عن إمداد القسطنطينية إبان حصارها، وطرد هذا القائد الألبانيين من شبه جزيرة المورة، ودخلت تحت سلطان الدولة العثمانية على أن تحفظ لنفسها أميرها واستقلالها الداخلي وتدفع الجزية.

ومما يذكر للفاتح فيشكر، فتحه جهات أينوس وطاشوس وسمندرك؛ لأن أهليها الذين لم يدخلوا في كنف السلطان عاثوا في الأرض فسادا وعبثوا بجيرانهم المسلمين، مما دعا قاضي فراجك إلى رفع الشكوى عن أعمالهم البربرية، فسافر الفاتح بنفسه وقضى على هذه المغارم والمظالم ومكن عروة حدوده الطبيعية.

ومن بعد هذا كله أخذت مقدمات حرب السرب بالظهور، ولا يخفى أن هذا الجهاد الشريف كان درة في تاج أعمال الفاتح وبيت قصيد أفعاله الكبرى، وذلك أن وجه القرابة الموجودة بين آل عثمان وعائلة الملك في سربيا تخول العثمانيين الجلوس على منصات أحكامها وفقا للقواعد المألوفة إذ ذاك، وقد رأى الفاتح أنه أمن الغوائل فأوفد إلى غوركي المكنى بالتواريخ العثمانية ب «ويليق أوغلي» سفيرا بمهلة خمسة وعشرين يوما طالبا منه التنازل عن تلك البلاد، أو بالحري عن ذلك التراث المأكول.

فلم يرجع السفير في خلال الأجل المضروب، وغوركي نفسه ذهب إلى بلاد المجر يستجيرها ويستفزها، فقام الفاتح بأسرع من لمح البصر وقصد صوفية ليعرقل مساعي عدوه، وهناك علم أن المجريين قطعوا نهر الدانوب من جهة طرنوي، فترك جيشه وتوجه ومعه عشرون ألف فارس إلى سربيا.

ومن حسن الحظ أن المجريين أخذتهم صيحة السلطان، فصعقوا وانقلبوا إلى أهلهم، والسربيون رجعوا أدراجهم إلى الحصون والمعاقل، فلم يجد السلطان في كلتا طريقيه منازعا ينفث في وجهه سمه، وأخذته سورة الانفعال فبعث فريقا من جيشه على سمندرة وأوستريجا، وقضى على أسوار الأولى الخارجية وافتتح الثانية بعد حصار عنيف دام أياما قليلة، وأفلت الفرسان في عرض البيداء فأسروا خمسين ألفا، ولما بدأت طلائع موسم الشتاء عاد الفاتح إلى أدرنة وترك فيروز بك من أمرائه مع 32 ألف جندي على حصار موراويا.

سيرة الفاتح · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة الفاتحص ٩