وَاصْطَلَحُوا عَلَى مُكَاتَبَةِ النَّظِيرِ نَظِيرَهُ ، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا فَعَلْتَ ، وَلَا يَكْتُبُونَ إلَيْهِ فَرَأْيُكَ ، فَإِنْ كَانَ دُونَكَ قَلِيلًا فَرَأْيُكَ ، وَكَتَبُوا فَأُحِبُّ أَنْ تَفْعَلَ فَإِنْ كَانَ دُونَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَتَبَ فَيَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ كَتَبَ فَافْعَلْ كَذَا وَكَذَا .
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ سُلَيْمَانَ يَتَعَجَّبُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِ الْكُتَّابِ الَّذِينَ يَنْتَحِلُونَ الْعِلْمَ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَ فَرَأْيُكَ وَبَيْنَ إنْ رَأَيْتَ وَجَعَلَ فَرَأْيُكَ لَا يَكْتُبُ بِهَا إلَّا جَلِيلٌ لَهُ أَمْرٌ ، فَقَالَ مَا أَعْجَبَ هَذَا ؟ أَتَرَاهُ لَا
يَعْلَمُ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُخَاطِبُ الرَّجُلَ الْجَلِيلَ فَيَقُولُ : اُنْظُرْ فِي أَمْرِي فَيَكُونُ لَفْظُهُ لَفْظَ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ السُّؤَالُ وَالطَّلَبُ ، قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ وَجَعَلُوا أَعَزَّكَ اللَّهُ أَجَلَّ مِنْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ وَهُوَ مِنْ الِاصْطِلَاحِ الْمُحْدَثِ ، قَالَ وَمِنْ الْمُسْتَقِيمِ عِنْدَهُمْ أَيْضًا أَنْ يَدْعُوَ لَهُ وَيَشْتُمَهُ فِي كِتَابٍ وَاحِدٍ .
ثُمَّ ذَكَرَ اصْطِلَاحَاتٍ فِي الْمُكَاتَبَاتِ وَالْأَدْعِيَةِ إلَى أَنْ قَالَ : إنَّهُ يُسْتَحْسَنُ مَعَ الرُّؤَسَاءِ الْإِيجَازُ وَالِاخْتِصَارُ لِأَنَّ الْإِكْثَارَ يُضْجِرُهُمْ حَتَّى رُبَّمَا يُصَيِّرُهُمْ إلَى اسْتِقْبَاحِ الْحَسَنِ مِمَّا يُكَاتَبُونَ بِهِ وَالرَّدِّ عَمَّا يُسْأَلُونَ ، وَإِنَّهُ قَدْ يَكْتُبُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضِ الْخُلَفَاءِ يُعَزِّيهِ : أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ أَحَقَّ مَنْ عَرَفَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا أُخِذَ مِنْهُ مَنْ عَظَّمَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْهِ فِيمَا أَبْقَاهُ لَهُ .
وَاعْلَمْ أَنَّ أَجْرَ الصَّابِرِينَ فِيمَا يُصَابُونَ أَعْظَمُ مِنْ النِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ فِيمَا يُعَافُونَ فِيهِ .
وَعَنْ الْمَأْمُونِ سَمِعْتُ الرَّشِيدَ يَقُولُ : الْبَلَاغَةُ : التَّبَاعُدُ عَنْ الْإِطَالَةِ ، وَالتَّقَرُّبُ مِنْ مَعْنَى الْبُغْيَةِ ، وَالدَّلَالَةُ بِالْقَلِيلِ مِنْ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى .
وَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ وَهْبٍ إلَى مَالِكِ بْنِ طَوْقٍ فِي ابْنِ أَبِي الشِّيصِ الشَّاعِرِ : كِتَابِي إلَيْكَ كِتَابٌ خَطَطْتُهُ بِيَمِينِي ، وَفَرَّغْتُ لَهُ ذِهْنِي ، فَمَا ظَنُّكَ بِحَاجَةٍ هَذَا مَوْقِعُهَا مِنِّي ؟ أَتَرَانِي أَقْبَلُ الْعُذْرَ فِيهَا أَوْ أُقَصِّرُ الشُّكْرَ عَلَيْهَا .
وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ يَحْيَى قَالَ : إنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ يَكُونَ كَلَامُكُمْ مِثْلَ التَّوْقِيعِ@