الِاقْتِدَاءَ بِالسُّنَّةِ وَإِكْرَامَ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ وَيَنْوِي صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَمَّنْ يُسِيءُ بِهِ الظَّنَّ ، فَرُبَّمَا قِيلَ عَنْهُ إذَا امْتَنَعَ هَذَا مُتَكَبِّرٌ ، وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ مِنْهُ عَلَى الشَّرَهِ .
وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي فِعْلُ مَا يَدُلّ عَلَى الشَّرَهِ ، وَمِنْهُ الْأَكْلُ الْكَثِيرُ الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ عَنْ الْعَادَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْت وَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا دُعِيَ أَكَلَ مَا يَكْسِر نَهْمَتَهُ قَبْلَ ذَهَابِهِ وَلَعَلَّهُ تَبِعَ فِي ذَلِكَ مَنْ مَضَى مَنْ السَّلَفِ .
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْد الْبَرّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ إذَا دُعِيَ إلَى طَعَام أَكْل شَيْئًا قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُ وَيَقُولُ قَبِيحٌ بِالرَّجُلِ أَنْ يُظْهِرَ نَهْمَتَهُ فِي طَعَامِ غَيْرِهِ ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَم يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَال .
قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَمِنْ آدَابِ إحْضَارِ الطَّعَامِ تَعْجِيلُهُ وَتَقْدِيمُ الْفَاكِهَةِ قَبْلَ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ أَصْلَحُ فِي بَابِ الطِّبِّ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ﴾ .
انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَيَفْسُد الْغِذَاءُ بِأَكْلِ الْفَاكِهَةِ بَعْدَهُ قَبْلَ هَضْمِهِ كَذَا أَطْلَقَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ وَمُرَادُهُمْ فِي الْجُمْلَةِ مِمَّا لَا يَقْبِضُ وَقَدْ قَالَ الْأَطِبَّاءُ : أَكْلُ الْكُمَّثْرَى عَلَى الطَّعَامِ جَيِّدٌ يَمْنَعُ الْبُخَارَ أَنْ يَرْتَقِيَ مِنْ الْمَعِدَةِ إلَى الدِّمَاغِ وَمِثْلُهُ السَّفَرْجَلُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّفَرْجَلِ لِشِدَّةِ قَبْضِهِ وَكَثْرَةِ أَرْضِيَّتِهِ ، وَفِي الْكُمَّثْرَى لِخَاصِّيَّةٍ فِيهِ وَمِنْ خَاصِّيَّتِهِ مَنْعُ فَسَادِ الطَّعَامِ فِي الْمَعِدَةِ لَكِنْ لَا يُكْثِرُ مِنْ أَكْلِهَا وَلَا يُدْمِنُهُ فَإِنَّهُ يُحْدِثُ الْقُولَنْجَ ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ : لَا تُؤْكَلُ الْكُمَّثْرَى عَلَى طَعَامٍ غَلِيظٍ .
قَالَ بَعْضُهُمْ : وَالرُّمَّانُ الْحَامِضُ يُسْتَعْمَلُ بَعْدَ الْغِذَاءِ لِمَنْعِ الْبُخَارِ .
وَيَأْتِي حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﴿ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكَلَ التَّمْرَ بَعْدَ الطَّعَامِ ﴾ ، وَفِي مُسْلِمٍ فِي قِصَّةِ أَبِي الْهَيْثَمِ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَكَلَ التَّمْرَ أَوَّلًا لَكِنْ لَمْ يَكُنْ غَيْرَهُ إذًا .
قَالَ بَعْضُ الْأَطِبَّاءِ الْفَوَاكِهُ الرَّطْبَةُ تُقَدَّمُ قَبْلَ الطَّعَامِ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا أَبْطَأَ وُقُوفًا فِي الْمَعِدَةِ وَفِيهِ قَبْضٌ أَوْ حُمُوضَةٌ كَالسَّفَرْجَلِ وَالتُّفَّاحِ وَالرُّمَّانِ ، وَتَفْسُدُ الْفَاكِهَةُ@