فحدث نسيم الخادم، [قال: فلما خرج] الواسطي من حضرة مولاي، قال لي: يا نسيم، والله ما أخاف على حرمي إلا منه وعلى جميع مخلفي؛ لأنه قوي الحيلة فاسد الدين، ولولا أنه وقت استكانة إلى الله، عز وجل، وخضوع، ما كنت آمن على مخلفي منه. قال: فلما كان من غدر الواسطي بأبي الجيش ما كان، وذهابه إلى المعتضد ومعاونته إياه على أبي الجيش، ذكرت قول مولاي، رحمه الله، وفراسته فيه، فما ضر الله، عز وجل، أبا الجيش بغدره، وبقي شريدا طريدا مطرحا بأنطاكية، مذموم الأثر والسيرة، فذكر إحسان مولاي إليه ولم يكافئه على جميل فعله به، وكل أوزار احتقبها فيه، فتصوره الناس بالغدر وقلة الوفاء. ومات بعد مولاي بيسير.
قال نسيم: فلما كنا من غد خطاب مولاي للواسطي وما وصاه به، أحضره وأحضر محمد بن أبا وطبارجي وجماعة من وجوه خاصته وقواده ووجوه دولته وكتابه، فأحضر أبا الجيش فقال له: يا بني إني لم أدفع الحنث في يمين البيعة إلا بما كنت أحمله إلى أمير المؤمنين المعتمد خاصة، وهو مائة ألف دينار في كل سنة، ذكر لي فيما كاتبني به أنها تكفيه، فكان حملي هذا المال يقينا الحنث في يمين البيعة بيعته، فلا تؤخرها عنه ولا تقطعها، ولو أعيتك الحروب وواصلتك فلا تغفل حملها وما يقاومها، فإنك تدفع بها حنث هذا الجيش بأسره في يمين البيعة، وتشرح بها صدورهم في قتال من قصدك، ممن قهر الخليفة ومنعه أمره وتصرفه في إنفاذ حكمه، وجميع أمره، والله بكرمه يكفيه. [قال أبو جعفر] محمد بن عبد كان: إن أبا الجيش لم يزل يحمل هذا المال إلى المعتمد حتى تقلد إسماعيل بن بلبل الوزارة، فأوقع الصلح بينه وبين الموفق.
قال: فلما فرغ أحمد بن طولون من وصية ابنه في حمل المال إلى المعتمد أقبل على وجوه قواده وغلمانه فقال لهم: قد وطأت لكم المهاد بهذه الدولة، وخلفت لكم من عدتها ما يكفيكم، فاطرحوا الأحقاد بينكم، وأسقطوا التحاسد، واتركوا الاستئثار، ولتكن كلمتكم واحدة، وجماعتكم كرجل واحد، ولا تغتروا بمخاريق أهل العراق، ومواعيد من يطلب سيئاتكم، فليس برأسكم أبدا مثلي، ولا أحنى مني ومن ولدي عليكم، فلا تخفروا ذمتي، واحفظوا صحبتي وتربيتي لأكثركم، وإيثاري وإحساني وتفضيلي لجماعتكم، وهم يحلفون له ويبكون بأجمعهم.
ثم عطف على أبي الجيش فقال له: يا بني، لا تعدلن عن مشورتي عليك، فلن تجد، أبدا، أنصح لك مني، قد خلفت دخل بلدك يزيد على ما ينوبك بجيشك وسائر مئونتك، فلا تطلقن فيه يدا بجور، فيختل أمرك بخرابه، ولا تقبل بنصيحة من يتنصح لك بما يئول إلى خراب بلدك، والإجحاف بمعامليك فيه؛ فإنه عدو مبين من حيث لا تعلم، فانبذه عنك، ولا تقربه منك، وقد خلفت لك رعيتك لا يطلبون منك إلا لين الجانب والأمن من المخاوف، ولم أكن أمنعهم لين جانبي بخلا به عليهم، ولكني آثرتك على نفسي بمنعي لهم لين جانبي والأمن من مخافتي، فاستعمل أنت ذلك معهم فتملك قلوبهم، ويبادروا إلى طاعتك، ويهشوا إلى التصرف بين أمرك ونهيك، في صغير أمرك وكبيره، ولم أترك لك عدو أخافه عليك، واعلم يا بني أن كل سرف يئول إلى اختلال وتلف، فاقصد في ا ... مهماتك، ولا تمد يدك إلى المال المخزون عند خير الخادم [واجعله] ذخيرة لمملكتك، وأقمه مقام جارحة من جوارحك لا تبذلها إلا في شدة تخاف معها ساد سائر جسدك، أو عندما تقدر بإخراجها صلاح سائر جسدك، وكان خير الخادم هذا خادم المتوكل.
ثم قال له: واسلك يا بني سبيلي واقتف آثاري في سائر من خلفت يأنسوا بناحيتك، ويحسنوا طاعتك، ولا يميلوا إلى عدو يخالفك، ولا تقبلن مقال السعاة فيما تقوى به سوقهم عندك، فكل شر وسوء يئول إلى اضمحلال وزوال، ويهلك في ذلك من سلكه.
قال مؤلف هذا الكتاب: وكانت الوديعة التي عند خير الخادم ألف بدرة،