36
وكانت عند نسيم فنقلها إلى خير، وكان يكنى بأبي صالح. وكان أحمد بن طولون قد قرن به أبا الجيش يؤدبه، وكان ثقة مأمونا دينا، كان يعرف بخير الطويل، ولما فرغ أحمد بن طولون من وصيته لأبي الجيش قال له: يا بني وفي حاصلي ألف ألف دينار وسبعمائة ألف دينار، وهو غير الوديعة، يكون ذلك لعطاء جيشك، وما عسى أن يعرض لك عند مقاومة من يقصدك، ومادة الخراج بعد ذلك فغير منقطعة عنك، هذا يا بني ما تملكه الدولة والذي أملكه أنا خاصة من دخل أقطاعي وابتياعي، ما يحصل لي منه في كل سنة في بيت مالي مائتا ألف وخمسون ألف دينار، فاقسمها في ولدي وانظر إليهم بعيني، وتغمد هفواتهم، وسد خللهم، وكفهم عن الفاقة إلى غيرك، وبصرهم رشدهم، وامنعهم من سرف الإنفاق؛ فإنك أبوهم بعدي، جبر الله جماعتكم [وأحسن الخلافة] عليكم، وأنا أكرر عليك القول يا بني لئلا تنسى. ليس المال الذي عند خير الخادم لي [فتشتركوا] بقسمته بينكم، فلا تظنن أن كل ما قويت يدك على أخذه هو لك، فصنه وامنع نفسك منه، واستشعر فيه ما وصيتك، فإن انقادت لك الأمور لم يضرك بقاؤه لك، وإن عارضتك الحوادث كان عدة لك، فلا تغرنك وجميع مخلفي وحاشيتي السلامة، فتنسوا ما في نفوس أهل العراق عليكم؛ فأنتم شجا في حلوقهم فلا تأمنوهم، ولا تناموا
37
عن الحزم فيهم، فإن أحسستم بضعف عنهم فابذلوا جميع ما تملكونه في السلامة منهم، ولا تضعوا أيديكم في أيديهم، فإني أعرف ذنبي لهم، والله أسأل رعاية جماعتكم. ثم بكى وبكت الجماعة، حتى ارتجت الدار لبكائهم.
فلما اشتغل بهذه الوصية لهم انقطع عنه الإسهال، فأمل أصحابه عافيته وبرءه، وذو المعرفة أيس منه.
حدث نسيم الخادم قال: لما استحكم إياس مولاي من السلامة كان يحمل كل ليلة في محفة
38
يطوف في الميدان، فلا يرى فيه ثلمة يخاف أن تنفتح، أو تفتح في هيج، فيقتحم منها قوم يدخلون منها إلى القصر [إلا] ويأمر بسدها، حتى سد كل ثلمة كانت فيه، ثم يدعو بثقاته فينعى إليهم نفسه، ويسألهم حسن المكافأة بعده بالطاعة لولده، ويقتضيهم ذلك بسالفه عندهم.
فلما دخل ذو القعدة من سنة سبعين ومائتين دعا بابنه العباس، فأطلقه من قيده وخلع عليه، وقلده جميع الأعمال الخارجة عن أعمال مصر من الشامات والثغور، وقال له: أنا أوصيك يا بني بتقوى الله، عز وجل، ومكافأة أخيك والإمساك عن الاستطالة عليه، بزيادة سنك على سنه، فلا تتركن لمن يقصدكما من العراق مدخلا بينكما يتأتى [منه لكما، ولا] تسمع ممن يطلب صلاح نفسه بفساد ما بينكما، ولا تضمرن لأخيك غير ما تظهره؛ فإن القلوب مجندة. واعلم أن جوار أخيك لك أصلح من جوار غيره، ولا تضمر له خلافا فتبسطا ما بينكما، ويجد عدوكما بذلك سببا إلى هلاككما، وقد تقدمت بإزاحة علل رجالك، فاحرص أن يكون خروجك إلى عملك قبل وفاتي، فإن الراغب عنك كثير أكثر من المائل إليك، وأخاف أن تتلوم
39
على الطمع في موضعي وتتريث فتذهب نفسك، بصرك الله رشدك ووفقك، ووقاك ما أخافه عليك وأحاذره فيك بمنه.
ثم شكا بعد ذلك ظلمة في بصره، ثم لم يبصر شيئا، وجعل يخفت
40
وتضعف قوته، وينحل جسمه، إلا أن عقله ثابت لم يتغير منه شيء، والدليل على ذلك وصيته هذه، ورأيه فيها الرأي التام الذي لا يكون بأسد منه ولا أقوى ولا أبلغ، إلا ما حرمه الله، جل اسمه، إياه من التوفيق في علته حتى تنفذ مشيئته، تبارك وتعالى، فلم يحم نفسه من مأكول، ولا وقاها ضارا، كما أراد الله، عز وجل، فلم يملك دفعا.
حدثت نعت أم أبي العشائر ابنه قالت:
كنت جالسة بين يديه والعصابة في يدي، وقد أيست منه وأنا أنتظره أن تقبض روحه فأشد لحييه ولسانه ضعيف إلا أنه طلق إذا تكلم، ففتح عينيه ثم غلقهما ثم فتحهما، ونظر إلي نظر من رجع بصره إليه، فحمدت الله على ذلك، ثم قال بصوت قوي ولسان طلق ذرب: