تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال مؤلف هذا الكتاب: فورد علينا الخبر أنه لما وصل إلى الموفق رسوله هذا، فأدى إليه رسالة أحمد بن طولون، بكى غما منه بعلته ، وقال: صدق والله في قوله. ونذر لله، عز وجل، في عافيته نذرا من قيام وصدقات.

وحدث شعيب بن صالح قال: دخلت يوما إلى نسيم الخادم أسلم عليه، فرأيت عنده شيخا من أهل الدينور

31

حسن الظاهر، وذلك بعد وفاة أحمد بن طولون بمديدة يسيرة، فرأيته متمكنا من نفسه حسن الإبانة،

32

فقال لي نسيم: تريد أن تقف على أن مولاي قد ختم له بخير؟ سل هذا الشيخ يحدثك بخبره معه فإني حضرته، قال: فترحم الشيخ على أحمد بن طولون، فسألته عن ذلك فقال لي: كنت يوما جالسا في الموقف، في دكان بعض أهل سوق الجهاز، وإلى جانبي رجل حسن الهيئة، فذكر أحمد بن طولون في علته وغلظها، فقال رجل ممن حضر معنا في الدكان: قد مات. فقلت، وما أعرف لي غلطة غيرها:

فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين .

فقام ذلك الرجل من جانبي، فما بعد حتى عاد ومعه خمسة رجالة، وقال لهم بيده: خذوه. فطرح ردائي على وجهي [وساقني] سوقا عنيفا حتى أدخلت الميدان، فعرضت على حسن بن مهاجر، فقال لي: يا كلب، بطرت بعيشك بالأمن، ولو شغلت بالخوف لتركت الفضول، فحسست من كلامه قد وشي بي،

33

ثم كتب رقعة ووجه بها مع خادم إلى الأمير، فما أبطأ حتى خرج، فخاطبه بما لا أقف عليه، فقام وأدخلني معه، فعججت في سري إلى الله، جل اسمه، وسألته حسن الدفاع عني، ومثلت بين يدي الأمير وقد زاد اضطرابي، وأنا مستعين بالله على ما أتخوفه منه، فسلمت فرد علي السلام بإصبعه، ورأيت عليه أثر البكاء، فقال لابن مهاجر: ترفق قليلا قليلا، سل هذا الرجل هل سبقت منا إليه إساءة؟ فرد علي بن مهاجر قوله، فقلت: لا والله، أيد الله الأمير. فخاطبني هو وقال لي: فما أخذك، ويحك، بإطلاق لسانك بما لا يجوز لك في ولائك؟ فقلت: أعز الله الأمير لما لا يضبط من المقدار الذي يجري بالمحبوب والمكروه، وخور يلحق الطباع الضعيفة فيمنعها من حسن التحرز. فقال لابن مهاجر: قد أحسن الاحتجاج لنفسه ، وما يسهل علي إصلاحه في تقويمه بفسادي في معادي، على شدة حاجتي في هذا الوقت إلى عفو ربي. ثم التفت إلي فقال لي: حدثني فلان عن فلان عن وهب بن منبه، فقال: أوحى الله، عز وجل، إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: مر عامة أمتك ألا تتأسى بالملوك في ارتكاب الكبائر، فإن للملوك كبائر من الأفعال الجميلة لا يصل إليها عامتهم، تمحص بها آثامهم ويحسن بها صدرهم.

34

ثم قال لنسيم: ادفع إليه خمسين دينارا واصرفه مصونا. قال الدينوري: [حفظت الحد]يث ونسيت إسناده لفرط ما لحقني من الخوف والهيبة؛ فقد بقي في نفسي منه جرح لا يندمل، وغم لا يزول إلا بعد وجوده، وقد أحفيت

35

الطلب له وأنا كذلك إلى أن أجده بعون الله، فرحم الله أحمد بن طولون؛ فما مر لي وقت إلا وأنا أترحم عليه وأستغفر الله، جل اسمه، له.

قال: وكان أحمد بن طولون كثير الاستقصاء في مال الجيش، فلما اشتدت علته تقدم إلى ابن مهاجر في إطلاق رزق سنة للجيش في بيعة أبي الجيش بعده، فظن ابن مهاجر أن ذلك من اختلاط العلة فأهمل العمل به، فلما كان من غد يومه سأله عما صنع في ذلك، فقال له: ما خرج الحساب من أيدي الكتاب بعد، فقال له: أظننت، ويحك، تخليطا بي من العلة؟ ما أنا كذلك، والحمد لله كثيرا، بل أنا بضده، وإنما لمثل هذا الوقت جمعت الأموال، وإنما أردت أن يعلم الجيش أنه قد حصل لهم ما لا يسمح ببعضه من يحاربهم ويكاثرهم، فتكون أيديهم وقلوبهم قوية. فسكن ابن مهاجر إلى هذا القول، وأطلق المال للرجال، فعظمت منته عندهم، وكثر شكرهم.

قال مؤلف هذا الكتاب: فلما اشتدت بأحمد بن طولون علته دعا بأحمد بن محمد الواسطي، وقال له: يا بني لمثل هذا اليوم وهذه الحال ربيتك واصطفيتك، وقد علمت حسن موقعك مني، وأني فضلتك على الولد وكل أحد، فلا تخفر الظن بك، واعلم أن الوفاء أحسن لباس وأفضل معقل، والله يشكره، عز وجل، لمن استعمله ، حرمي هن أمهاتك وأخواتك، قال: والواسطي يلطم وجهه ويبكي، وأحمد بن طولون يبكي معه، وهو يحلف له أنه لو تعرض للقتل لما قصر فيما عاد بمصلحة شمله، ويقول: وأرجو أن يهب الله للأمير العافية ولا يرينا فيه سوءا أبدا ويقدمنا جميعا بين يديه. وكل ذلك [وهو] يعج بالبكاء.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٨٨