ألفيت كل تميمة لا تنفع
قال: ومن شيم النصارى أن يتضرعوا بمثل هذا الفعل في الاجتماع والخروج، إذا قدم البلد وال جديد، وكذلك رأيناهم قد عملوا في قدوم بولس إلى البلد، خرج النصارى إليه وفي أيدي شمامستهم الزبور وغيره ... ومعهم المجامر يبخرون من باب المدينة إلى أن دخل إلى داره، وخرجت إليه، أيضا، اليهود، وفي أيدي أحبارهم وشيوخهم الآس، وفي أيدي بعضهم كتبهم يقرءونها بين يديه، فكان لهم ذلك اليوم ضجيج في البلد.
وحدث نسيم الخادم قال: دعاني مولاي، وقد مضت قطعة من الليل، قبل وفاته بشهر واحد، فقال لي: ادخل إلى بكار بن قتيبة فإن أصبته يصلي فانتظر فراغه من ركوعه وسجوده، فإذا سلم فقل له عني: أنت تعلم ميلي إليك قديما وإكرامي لك مبتدئا، وإنه لم يفسد محلك عندي إلا أمر الخلع وأن شهادتك فيه كانت مباينة لشهادة غيرك مخالفة لها. وقد شاع في عسكري أنك نقمت هذا الخلع علي، ووالله ما انحرفت عن الناكث لإساءة كانت منه إلي اعتدتها له، ولا أردت بخلعه إلا الله، عز وجل؛ لأنه أسر الخليفة ومنعه ما يجري له. والصواب أن تحضر مجلسي في جمع من أوليائي وأولياء أمير المؤمنين، فتتبرأ من الناكث براءة تدل على صدق نيتك لأمير المؤمنين، وترجع إلى عملك، ونرجع لك إلى ما كنا عليه من الإكرام والموالاة والحال التي كانت بيننا، وإن امتنعت من هذا فلا لوم علينا فيما أتيناه في أمرك، مما لم نؤثره ولا نختاره والله فيك.
قال نسيم الخادم: ففتحت باب الحجرة التي كان فيها بكار معتقلا، ودخلت فوجدته قائما يصلي، فقلت من حيث يسمع: رسول الأمير. لأنه كان ثقيل السمع، فوالله ما حركه ذلك ولا فكر فيه ولا أوجز من صلاته، ولم يزل يقرأ حتى فرغ من حزبه، ثم ركع وسجد وجلس قليلا، وقام وقرأ طويلا، ثم ركع وسجد وجلس يسيرا، ثم سلم، فقلت له: ر[سول الأمير]. فقال: وما يريد الأمير؟ فقصصت عليه الرسالة، فقال: قل له: يعز علي أن يكون حرصك على ما تفارقه أكثر من ميلك إلى ما لا بد لك منه، وقد أعنتني وآذيتني؛ لأنك تكلفني الشهادة بالبلاغات التي لا يعدلها الحكام، فخف الله في أمري فإني شيخ فان وأنت عليل مدنف، ولعل التقاءنا بين يدي الله، عز وجل، قريب، وقد والله نصحت لك والسلام. وقام إلى صلاته.
قال نسيم: فخرجت من عنده وقد أبكى قلبي وأبكى عيني، فدخلت إلى مولاي فأعدت عليه قوله، فبكى وبقي يقول: شيخ فان وعليل مدنف، ولعل التقاءنا بين يدي الله، عز وجل، قريب. وأقبل يكرر ذلك، ثم قال لي: انظر أعرف المضمومين إليك، فوكله به في دار تكتريها له، وأطلق له دخول ابني أخته إليه ومن أحب. فاكتريت له دارا في نواحي الموقف، ووكلت به رشيقا أخا سعد الفرغاني؛ لأنه كان شيخا فيه دين وخير، فلم يزل معتقلا فيها إلى أن مات مولاي، فأطلقه أبو الجيش يوم موته واستحله لأبيه، فكانت هذه الفعلة من أبي الجيش أحد أفعاله الحسان، فأقام بعد مولاي عشرين يوما ومات فلحق به.
حدث شعيب بن صالح قال: أرجف الناس بوفاة أحمد بن طولون قبل أن يموت بشهور، وعلل الخوف، أبدا، تطول على أصحابها، فدخل إليه يوما جماعة من أصحاب أخباره، ومعهم رجل من أهل المدائن فقالوا له: هذا صاحب خبر الموفق. فقال له أحمد بن طولون: ليس [ينجيك] مني ولا يخلصك غير صدقك إياي، فاصدقني تنج. فقال له: نعم، أنا صاحب الموفق، أنفذني إليك قاصدا لأعرف له صحة أمرك في علتك لا غير، لما أرجف بك عنده. فقال: [لقد سلم] الله روحي وجسمي، وأنا صحيح العقل والتمييز لم أمت، بمن الله وطوله، وأوليائي متمسكون بطاعتي، والدليل على ذلك إتيانهم إياي بك، ارجع إليه فقد أمنك الله، جل اسمه، وعرفه ذلك، وقل له: إني لم أنحرف عنك وأخلعك وأخالف عليك كرها لك، ولا كان ذلك مني إلا طاعة لأمير المؤمنين وما أكدته علي بيعته، فإن رجعت عما أتيته في أمره كنت لك كما أنا له متصرفا بين أمركما ونهيكما وطاعتكما. واحذر أن تقيم. ووكل به حتى أخرج عن البلد من وقته.