تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلم أكل العصيدة ونام انتبه من نومه، فأحضر سعيد بن توفيل، فقال له: يا سعيد، ما تقول في العصيدة؟ قال: ثقيلة على الأعضاء، وأعضاء الأمير تحتاج إلى التخفيف لا التثقيل. فقال له: دعنا من مخاريقك، قد أكلتها بحمد الله ولم أر إلا خيرا. فأمسك سعيد حيرة في أمره، وجاءوه في الوقت بسفرجل من الشام وفاكهة، فقال لسعيد: ما تقول في السفرجل؟ فقال: مص منه شيئا يسيرا على خلو من المعدة فإنه صالح. فلما خرج سعيد من عنده أكل سفرجلتين كبيرتين فعصر السفرجل العصيدة فتدافع الإسهال جدا، فدعا بسعيد بن توفيل فقال له: يا ابن الفاعلة، ألم تزعم أن السفرجل صالح؟ ما صلاحه وقد عاودني الإسهال؟ فقام سعيد ينظر إلى النجو

29

فرجع إليه فقال: هذه العصيدة التي أحمد الأمير أمرها وذكر أني ممخرق، وأني غلطت في منعه منها، لم تزل قائمة متحيرة في الأحشاء لا تطيق عبورا، ولا تطيق المعدة هضمها لضعف قوتها حتى عصرها السفرجل، ولم أطلق [لك أن تأكل] السفرجل، إنما قلت: تمص منه يسيرا. وكان سعيد قد أخبره الغلمان أنه أكل سفرجلتين، فقال له في خطابه: أكل الأمير السفرجل للشبع، لم يأكله للعلاج. فقال له: يا ابن الفاعلة، أخذت تهاترني وأنت صحيح سوي وأنا عليل مدنف.

30

السوط! فأحضر، فضرب بين يديه مائتي سوط، وحمل على جمل وطيف به البلد، ونودي عليه: هذا جزاء من ائتمن فخان. ونهبت داره فمات بعد يومين.

قال مؤلف هذا الكتاب: وكان أحمد بن طولون يحذر سعيدا قديما من قتله له، وكان قد وقع له لتتم المشيئة في سعيد أيضا أنه قد أغفل علاجه في بدء العلة حتى تزايدت عليه وعظم أمرها، ولم يكن الأمر كما ظنه أحمد بن طولون به، ولا كان الخطأ إلا منه على نفسه، والذنب له دون غيره. وكان سعيد بن توفيل من يوم أكل السمك قد أيس منه، وعرف نسيما الخادم بذلك، وكان غلاما عاقلا محصلا.

حدث نسيم الخادم أن مولاه أحمد بن طولون طلب سعيد بن توفيل يوما من الأيام، فقيل له : مضى يستعرض ضيعة ذكرت له يشتريها. فأمسك، فلما حضر قال له: ويلك يا سعيد! اجعل صحبتي ضيعتك التي تشتريها لتستغلها، وواصل مراعاة خدمتي، واحرص على صحتي ولا تغفل ذلك، واعلم أنك تسبقني إلى الموت إن كان موتي على فراشي، وأني لا أمكنك من الاستمتاع بالحياة بعدي. فقال بعض العلماء حين سمع هذا القول: ما سمعت حثا لمتطبب على مبالغة في نصح أشد من هذا.

قال مؤلف هذا الكتاب: وفي إفاقته من علته أطلق محبوب بن رجاء من محبسه، ورد إليه جميع ما كان أخذ منه، فوجد محبوب ماله مختوما بخاتمه بحاله ... دنانير، ما عرض له ولا نظر إليه.

فلما رأى أحمد بن طولون اشتداد العلة أحضر خواصه من وجوه قواده وابن مهاجر والواسطي، وقال لهم: استهدوا لنا الدعاء من الناس كافة، وسلوهم الخروج إلى الجبل والتضرع إلى الله، جل اسمه، بالمسألة له في عافيته لنا. فشاع هذا القول منه في الناس، فخرج المسلمون بالمصاحف إلى سفح الجبل، وتضرعوا إلى الله في أمره بنيات خالصة لمحبتهم له، وشكرهم لجميل أفعاله، وكثرة معروفه وإحسانه، وصيانتهم عن كل حال يكرهونها منه، أو من أحد من حاشيته، مع أمنتهم ورخص أسعارهم، بمراعاة ذلك وحرصه عليه ومحبته له.

فلما رأى اليهود والنصارى ذلك من المسلمين خرج الفريقان؛ النصارى معهم الإنجيل، واليهود معهم التوراة، وفي أيديهم حزم الآس، وفي أيدي شمامستهم البخور، يبخرون ببخورهم الذي يتبركون به، واجتمعت الجماعة كلها في سفح الجبل، واعتزل كل فريق منهم على حدة يدعون الله، عز وجل، ويتضرعون إليه في أن يمن عليه بعافيته، فكان يوما عظيما، وارتفعت لهم ضجة عظيمة هائلة حتى سمعها في قصره، فبكى لذلك، وتضرع معهم إلى الله، جل اسمه، والمنية قد قربت، كما قال بعضهم:

وإذا المنية أنشبت أظفارها

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٨٦