تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان جماعة الأطباء قالوا لسعيد لما اصطنع هاشما وأدخله إلى الأمير والحرم: يا سعيد نفست

26

على غيرك أن تدخله دار الأمير ، وفيهم من لا يشك فيه أنه يصلح لذلك، حذقا بالصناعة وفهما لها، ثم مع هذا كنت تكون آمنا منه عليك وعلى حالك، والله ليكونن لك من هاشم الذي اخترته يوم يرده إليه طبعه الرديء وأصله الدنيء.

حدث جريج بن الطباخ المتطبب قال: لقي سعيد بن توفيل [عمر] بن صخر الطبيب، فقال له [عمر]: ما الذي نصبت هاشما له؟ فقال: لخدمة الحرم؛ لأن الأمير طلب مني طبيبا مقبحا. فقال له: قد كان في أبناء الأطباء قبيح قد حسنت تربيته وطاب مغرسه يصلح لهذه الحال، ولكنك استرخصت الصنيعة، والله يا أبا عثمان، لئن قويت يد هاشم ليرجعن فيك إلى دناءة منصبه وخساسة محتده. فتضاحك سعيد من قوله وقدر أن ذلك لا يكون.

فلما جمع أحمد بن طولون الأطباء واتفقوا على ما يعالجونه به، دخلت إليه أم أبي العشائر ابنه فقالت له: قد أدخل مولاي إليه اليوم جميع الأطباء ووقفوا على علاجه، وعمل كل واحد منهم بما عنده من الصواب بما سقوك إياه، وأرجو أن يكون فيه الشفاء بمشيئة الله. ولم يحضر مولاي هاشما طبيبا فيمن حضر، والله يا مولاي ما فيهم مثله؛ لأنا قد شاهدنا منه في خدمته لنا ما حمدناه وتبركنا بصفاته، فقال لها - طلبا للفرج لما هو عليه من العلة التي يطمع العليل فيها بكل شيء، وتتعلق نفسه بما توعد به فيها من العافية: أحضرينيه سرا حتى أخاطبه وأسمع ما عنده في مشاهدته حالي. فأدخلته إليه سرا، بعد أن شجعته على كلامه، وسهلت عليه هيبته؛ لأنه جبن من دخوله إليه مما لم يقدر أنه يراه أبدا، فلما دخل إليه ومثل بين يديه وأخذ مجسه وتأمله قليلا، لطم وجهه وقال: أغفل أمر الأمير، أيده الله، حتى بلغ إلى هذه الحال؟ لا أحسن الله جزاء من تولى أمره. فكان لطم هاشم وجهه بين يدي الأمير وما تكلم به في أستاذه تصديقا لقوة من أنكر على [سعيد] تقديمه وإدخاله إياه إلى الحرم وتركه بحيث لا يستحق، وكان ما خاطبوه فيه حقا، فقال له أحمد بن طولون: يا مبارك، فما الصواب الآن؟ قال: يتناول الأمير، أيده الله، قميحة صفتها كذا وكذا، وعدد فيها قريبا من مائة عقار، ولم يعلم أن سبيل هذه القمائح تمسك [عندما] تتناول ثم تعقب ضررا كبيرا؛ لأنها تتعب القوى الماسكة، وكان استعماله ما اتفق عليه الأطباء مع سعيد وسقوه إياه لو دام عليه أحمد عاقبة وأنفع، فامتنع من شرب ذلك يومه، وتناول القميحة التي أشار بها هاشم، وعملها له بين يديه، فلما تناولها أمسكت وحبست قيامه وقوي قلبه لذلك، وحسن موقع هاشم من قلبه، وظن أن البرء قد تم له، فقال له: ويحك يا هاشم! إن سعيد بن توفيل قد حماني منذ شهر من لقمة عصيدة

27

اشتهيتها ومنعني منها، لعنه الله، وأنا والله أشتهيها. فقال له: أيها الأمير، قد أخطأ سعيد، العصيدة مقوية ولها أثر حميد. فأمر أحمد بن طولون بإصلاحها فأصلحت، وجيء منها إليه بجام

28

واسع فأكل منه أكثره، وطابت نفسه ببلوغ شهوته ونام، وكان يشتهي النوم فيتعذر عليه، فأثقلت معدته ووجد خفا في انقطاع الإسهال، وطاب له النوم بعد الأكل، وظن أن ذلك صلاحه وعافيته، وطوى ذلك عن طبيبه سعيد ولم يوقفه على شيء منه.

فتبارك الله الخالق البارئ المتفرد بالكمال والبقاء، بينما كان له العقل الصحيح والرأي السديد والفراسة المضيئة والحدس الصادق الذي ما كان يخطئ في أيام إقباله، وما كان يلزمه نفسه ويتفقده منها ومن غيرها، وشدة حذره وتوقيه ... حتى انقلبت العين في هذا كله دفعة واحدة، وصار هو عدو نفسه يطعمها سرا من طبيبه السمك القريص، مع ما يعلمه الناس كلهم فيه، والعصيدة الثقيلة المتخمة المؤذية في حال الصحة فكيف مع العلة؟ ثم يخادع نفسه ويسخر منها ويكتم طبيبه وغيره حاله في ذلك، حتى [كأن] له في معدته بسوء فعله عدوا قاتلا، ويفضل مثل هاشم على مثل طبيبه سعيد بن توفيل وغيره من حذاق الأطباء إلا أنه إذا أراد الله، عز وجل، أمرا سلب كل ذي لب لبه حتى تتم مشيئته.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٨٥