تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما حصل لأحمد بن طولون هدوءه في داره، واجتماع شمله وسكونه، تبرك [بقول الحسن] بن زيرك، فجعل يخلط فيما يأكله مع الحرم ثقة بقول ابن زيرك، ويسر عن طبيبه وغيره ما يخلط به على نفسه، ولا يمتنع من شهوة يؤثرها، لقوة قلبه بقول ابن زيرك الطبيب وما أطمعه فيه. وإنما قصد بذلك أن يكسره عن شكواه إليه طبيبه سعيدا، فكانت راحته التي وجدها لا أصل لها، فازدادت علته بتخليطه. وكان قد اشتهى على أم أبي العشائر ابنه سمكا قريصا

23

فأحضرته إياه فأكل منه، فما تمكن في معدته حينا حتى تدافع الإسهال عليه وزاد أمره، فأحضر أطباء البلد كلهم وجعل الذنب لهم، وقال لهم: أخطأتم في علاجي. وأرهبهم وأخافهم، وقال للحسن بن زيرك الطبيب، وكان قد سقاه دواء ممسكا: أحسب أن الذي سقيتني إياه أمس كان غير صواب، وكذلك ما أسقيتنيه اليوم أيضا. فقال: والله ما أسقي الأمير إلا ما أجتهد في الصواب فيه، وأتولى عجنه وعمله بيدي، وأعلم أنه علاجه وموافق له، وكل ما تناوله الأمير، أيده الله، أمس واليوم فمحمود زائد في القوة الممسكة ينهضها ويقويها في معدتك وكبدك.

وضاق صدر ابن زيرك من خطابه له، فقال: يحتاج الأمير، أيده الله، إلى إحضار جماعة أطباء البلد كلهم، في غداة كل يوم، حتى يجتمعوا على المشاورة، ويتفقوا في أمره على ما يسقونه، فلا يتناول إلا ما أشارت به الجماعة واتفقت فيه آراؤهم. فضيق هذا القول صدر أحمد بن طولون، فقال: والله لئن لم ينجع في دواؤكم وتدبيركم لأضربن أعناقكم بأسركم، فما أنتم إلا ممخرقون، وعلى الأعلاء متجنون، لا يحصل العليل منكم على شيء في الحقيقة.

فانصرف الحسن بن زيرك من بين يديه وهو قلق بكلامه، [قد فعل] الخوف منه في قلبه وعمل فيه الفكر، وكان شيخا كبيرا فحميت كبده عليه من الغم الشديد، وقوي عليه الفكر فاختلط عقله، فبقي يومه وليلته يهذي بعلة أحمد بن طولون، ويورد كلامه له وما توعد به الجماعة، فمات من الغد، وطلبه أحمد بن طولون فعرف موته فازداد غمه وقلقه، وأمر بجمع الأطباء، فجمع له أطباء البلد الموصوفون في التقدم في الصناعة والحذق، وكانوا إذ ذاك متوافرين، فكانوا يحضرون في كل يوم بين يديه، ويحضر طبيبه سعيد بن توفيل خشية ما جعله ابن زيرك في نفسه، فيتشاورون في أمره، فإذا اتفقوا على صفة لا يشكون فيها جميعا عملت شربة فيها شربتان، فيشرب أحدهم نصفها بين يديه ويسقى النصف الآخر؛ كل هذا حتى يزول الشك عنده فيهم، فكان من يشرب منهم ما لا يحتاج إليه جسمه ضره وأعقبه علة، فكانوا يحتملون من ذلك أمرا عظيما طول علته.

قال: وكان أحمد بن طولون قد قال لسعيد بن توفيل طبيبه قبل علته: أريد طبيبا يصلح لخدمة الحرم، ويكون بين أيديهم في غيبتي وحضوري. وكان له ابن بارع في صناعته قد حذق الطب، وكان ذكي الروح حسن الوجه، فقال له: لعبد الأمير ابن كيس قد برع في الطب، فإن أمرني بإحضاره أحضرته، قال: أحضره. فلما أحضره نظر إلى حسنه فقال له: ويلك! أقول لك طبيب يصلح للحرم تجيئني بمن يفتنهن ويفسدهن، انظر لي واحدا مقبحا، لا يهش إليه أحد، فحملت سعيد بن توفيل النفاسة والغيرة على موضعه أن يدخل معه فيه غيره، على أن [أخذ] هاشما، وكان شاكريه،

24

فألبسه دراعة

25

وخفا وعمامة، وقلع ثيابه الوسخة التي كان يخدم فيها، وكان مقبحا جدا، فأدخله إليه، فلما رآه قال له: نعم، هذا يصلح لهن، وقد جودت فيه، فألزمه خدمتهن. وكان لهاشم هذا إقبال قد أزف ونجوم قد طلعت، لم يعلم بها سعيد بن توفيل، ولا أن هلاكه يجري على يديه، فأدخل إلى الحرم فسألوه عن أشياء تنفق عندهن؛ من دواء الشحم وعلاج سواد الشعر وعلاج الحيض وأشباه ذلك. وكان هاشم خبا ملعونا، فاجرا رديء الطبع، فجرى معهن في ميدانهن كما أردن، فقال لهذه: أنا أعمل لك كذا وكذا. وقال لأخرى لما تطلبه منه: أنا أعمل لك في هذا ما لا يعرفه أحد ولا يحسنه. وعمل لكل واحدة منهن ما أرادت، فحظي بذلك عندهن حتى ضرب بعضهن ببعض المثل، وكسب منهن كسبا كثيرا ما كسب صاحبه مثله مع أحمد بن طولون. ولم يكن يحسن غير دق العقاقير وعجن الأدوية بين يدي سعيد، ونفخ النار تحت الأدوية المطبوخة، ولم يكن يمكنه من عمل شيء من الطب؛ لأنه لم يكن وزنه ذلك ولا محله عنده، وإنما كان يمسك حماره إذا دخل دار الأمير أو بغله وينام في الإصطبل.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٨٤