تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنه اجتاز ببكار بن قتيبة وقد أقيم للناس فقال له: عز علي، كفانا الله وإياك، فما هذا مقامك. فحبسه في المطبق حتى مات فيه.

وأوقع بزياد المعدني؛ لأنه بلغه عنه أنه سمع حسن بن مهاجر كاتبه

15

وقد لحن في لفظة، فضحك منها. وكان أيضا القواد كلهم يبغضونه ويسبونه لفصاحته وعجمتهم؛ ولأن أحمد بن طولون تقدم إليه أن ينتسب إلى ولائه فقال له: أيها الأمير، قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم : «ملعون من انتمى إلى غير مواليه.» وجماعة من بالمغرب يشهدون بعتق أشهب لي. فأمسك عنه. وبلغه أيضا أنه كان يعيب ألفاظ أحمد بن طولون، ويقول: كان أشهب مولاي أسد رأيا وأحق بالرياسة منه. فحبسه حتى مات في حبسه.

وقبض على أبي الضحاك محبوب بن رجاء وأخذ جميع ما كان له وحبسه في المطبق، وقال له: أنت كنت السبب في خروج ابني العباس إلى الغرب بالتضريب

16

بينه وبين الواسطي، وإنفاذك كتب الواسطي إلى ابني العباس بما كان يطالعني به من أمره، وأغريته به وملأت صدره عليه، لتقتل الواسطي وتنفرد بموضعه.

وكان معمر الجوهري قد حسن له التجارة، فحمل إليه مالا على أن يشغله له في كتان، فرأى فيما يرى النائم كأنه تمشش

17

عظما فدعا بالعسال المفسر، وكان حاذقا بالعبارة،

18

فقص عليه ما رآه فقال له: أسفت نفس الأمير إلى مكسب لا يشبه خطره ومحله. فدعا بإبراهيم بن قراطغان وكان من أحد ثقاته، ويتقلد صدقاته، فقال له: امض إلى أبي الحسن معمر، فخذ منه ثمن الكتان، وتصدق بجميعه، ففعل ذلك، وكان مالا واسعا.

حدث إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لسعيد بن توفيل طبيب أحمد بن طولون وقد صار إلي بعد قدومه بيوم يسلم علي، ويشكو إلي ما عاناه من علة أحمد بن طولون، وكان يخدم أبي وعمي قبله: ويحك، أنت حاذق في صناعتك فاره

19

فيها، وليس لك عيب إلا أنك مدل بها، غير خاضع لمن تخدمه بها، والأمير وإن كان فصيح اللسان هو أعجمي الطبع، وليس يعرف أسباب الطب، ومقدار صناعته، فتدل فيها عليه

20

فيحتمل ذلك لمقدار محل الطب والحاذق فيه، وقد أفسده أيضا عليك إقباله، فالطف له وارفق به وداره، وخاطبه من حيث يشاء، واخدمه كما يختار، وواظب على أمره واحتمل شيئا إن جرى منه، فإن احتمالك يثنيه عما لعلك تنكره.

فقال لي: والله ما خدمتي له إلا كخدمة الفأر للسنور، والسخلة للذئب، وحذري منه كحذرهن، وإن قتلي لأحب إلي من صحبته؛ لأنه ينكر علي ما لا ينكر، ويخالف من علاجه ما ينفعه، ويسارع إلى ما أحذره منه وأنهاه عنه، فإذا حدث ما يكرهه نسبني إلى أني قصرت في علاجه وجعل الذنب لي. فقلت له: فأنت على هذا مرحوم، أعانك الله بلطفه.

فلما اشتدت علة أحمد بن طولون أرجف إسحاق بن كنداج وابن أبي الساج بموته وأذاعا [ذلك] وطمعا في الوثوب على أعماله التي تقرب منهما. وبلغ ذلك أحمد بن طولون فكتب إلى أنعج يأمره بالمصير إلى عبد الله بن الفتح ليعاضده، وكتب إلى ابن دعباش يأمره بمعاضدتهما إن احتاجا إليه، ووصاهم بأن تكون كلمتهم واحدة، وقلوبهم متفقة، وأمر بمضاربه فأخرجت إلى منية الأصبغ،

21

وأنفذ إلى الشام جيشا فيه خاقان ويلبق، وأقام في مضاربه نحوا من شهر، ونفذت بذلك الأخبار إلى ابن كنداج وابن أبي الساج فكف ذلك منهما طمعهما، ومنعهما مما كانا قد عزما عليه.

وكان أحمد بن طولون إذا جرى ذكر إسحاق بن كنداج يقول: قال اليهودي كذا، وفعل اليهودي كذا؛ لأن الخزر

22

كلهم يهود.

وأضر بأحمد بن طولون مقامه في مضربه لكثرة الهواء، فدخل إلى داره وعلته تزيد، فأحضر الحسن بن زيرك الطبيب، فشكا إليه سعيد بن توفيل طبيبه. وكان ابن زيرك هذا حاذقا أيضا في صناعته مقدما فيها، وذكر له توانيه في علاجه، فسهل عليه علته، ووعده بالسلامة منها عن قرب، فأنس إلى هذا القول منه وفرح به، وخف عليه بالراحة في داره والطمأنينة، وبملاطفة النساء له بالغمز مرة، وبالهدوء أخرى. ورفق النساء بالعليل يحدث راحة، وكذلك محادثة الصديق المحب أو الصاحب المخلص، واستماع الأخبار والأحاديث من جد وهزل تحدث سلامة وراحة قوية ومرحا في القلب، فهذا أجل ما استعمله العليل.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٨٣