تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حدث أسامة بن حباب وكان مضموما إلى لؤلؤ، قال: حمل أحمد بن طولون غلامه لؤلؤا في خرجته إلى أعماله بديار مضر،

38

بما لا يتسمح به لأحد من أولاده، ولا غيرهم من خاصة أصحابه المخصوصين به من مال ومتاع، وكراع وآلة، وكل ما يحتاج إليه وما لا يحتاج، ثم أمر أن ينادى ونحن يومئذ معسكرون بمنية

39

مال الله ببراءة الذمة من أي رجل من رجال الأمير أبي محمد لؤلؤ دخل إلى المدينة، وليست معه حجة منه إلا حل به غليظ المكروه. قال:

نفقت لي دابة، فاستأذنت لؤلؤا في الدخول إلى الفسطاط لأعتاض منها، فأذن لي، فأخذت كتابه إلى أحمد بن طولون مولاه، ودخلت ليلا، فإني لسائر إذ تعثر فرسي بشيء، فنزلت أنظر، فأصبت كيسا فأخذته وركبت، ووافيت منزلي فنظرت الكيس فإذا به مملوء دنانير، وكانت لي امرأة صالحة، فحدثتها بخبره فأحضرت الميزان فوزنت الدنانير، فكانت سبعمائة دينار، فقالت لي: يا هذا لا تشره نفسك إليه، فلعله لمن لا يملك غيره، ولكن عرف به وخذ جعلك منه حلالا موفرا، يجعل الله لك فيه البركة، فسكنت إلى قولها، فلما أصبحت أخفيت شخصي من أن يراني أحد، فيعرف أحمد بن طولون خبري، فأحتاج أن أقيم الحجة في دخولي، فوجهت إلى صديق لي في ابتياع دابة عوضا من دابتي.

فبينا أنا كذلك إذ سمعت النداء: «من دلنا على كيس فيه دنانير جعله مائة دينار حلالا طيبا وأجره على الله.» فقالت لي زوجتي: كيف ترى؟ مائة دينار حلال خير من سبعمائة حرام. فقلت للغلام: أدخل المنادي. فدخل ومعه إنسان من التجار سيماه تدل على أنه خشن الطبع، فقلت للمنادي: أين صاحب الكيس؟ فقال: هذا هو. فقال لي: الكيس عندك؟ قلت: نعم، وجدته في الطريق بموضع كذا وكذا. قال: هاته. فأخرجته إليه، فلما رآه لطم وجهه، وقال: ذهب مالي. وصاح: أنا بالله وبالأمير. ثم قال لي: الأمير بيني وبينك. فخشيت أن يسمع أصحاب الأخبار، فيذهبوا بي إلى أحمد بن طولون، فبادرت بالخروج معه اضطرارا، وقلت لزوجتي: رضيت؟ هذا رأيك الحسن ومشورتك الجميلة، ولكن ليس العجب إلا مني حيث قبلت منك. فقالت لي: لا تخف فإن الله، عز وجل، معك.

فحملت الكيس معي، وأخذت كتاب لؤلؤ إلى أحمد بن طولون حجة في دخولي، فلما توسطنا الطريق قام إلي أصحاب الأرباع،

40

فأريتهم كتاب لؤلؤ وعرفتهم ذهابي به إلى الأمير، ومضينا حتى دخلنا إلى أحمد بن طولون فقال لي: ألم تخرج مع لؤلؤ؟ قلت: نعم، أيد الله الأمير. قال: فلم دخلت؟ فعرفته خبري في دابتي ودفعت إليه كتاب لؤلؤ، فلما قرأه قصصت عليه خبري وخبر الكيس، وما كان من الرجل، فأحضره فقال له: كم كان في كيسك؟ قال: ألف دينار. فأمر بإحضار الميزان ووزن الدنانير بين يديه، فوزنت فكان مبلغها سبعمائة دينار، فأمر بردها إلى الكيس، فقال لي: اقبض أنت الكيس إليك إلى أن يجيئك صاحبه. وقال للرجل، اطلب أنت كيسك جميع الله عليك. فقال: أيها الأمير الله الله في، هو والله كيسي. فقال له: لو كان كيسك لما ادعيت أكثر منه. وأمر بإخراجه فأخرج، وقال لي: امض لشأنك فانصرفت بالكيس وابتعت منه الدابة واتسعت، فقالت لي زوجتي: كيف رأيت مشورتي؟ لو استحقه التاجر لما حرمه الله إياه، وجعله رزقا لك. فتركت باقية عند زوجتي، ورجعت إلى لؤلؤ فحدثته بما جرى، فضحك وأمر لي بفرس. وكانت هذه الخرجة العظيمة التي بلغ أحمد بن طولون بلؤلؤ فيها كل مبلغ جليل هي التي خفر به فيها واستأمن إلى الموفق.

قال مؤلف هذا الكتاب: كان أحمد بن طولون إذا أنكر على لؤلؤ شيئا أوقع بكاتبه محمد بن سليمان، وقال: هذا منك ليس منه. فحمل محمد بن سليمان الخوف من أحمد بن طولون على أن حسن للؤلؤ حمل جملة من المال في الأعمال، والاستئمان إلى الموفق، فمنع عامل الخراج لؤلؤا من المال، واستخف برأي محمد بن سليمان، حتى أخذ جميع ما أراد من أموال الأعمال، فلما حصل له المال قال له محمد بن سليمان: قد علمت ما فعل بابنه العباس، وهو أعز الناس عليه، وقد تخلصنا منه، فإن لم تبادر وإلا لم نأمنه. فأجابه إلى ما أشار به عليه.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٧٠