تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

32

الكاتب، وكان غيظه عليه أشد وحنقه عليه أعظم؛ لأن كتب العباس إليه كانت بإنشائه، فأمره فقطع يديه ورجليه ورمى به إلى الأرض.

وكان أحمد بن طولون إذا قرأ كتابا من العباس إليه، تمر به اللفظة البشعة فيقول: هذا من كلام أبي معشر، وهذه اللفظة من كلام الشيخ السوء ابن حدار،

33

وهذا من كلام فلان وهذا من كلام فلان؛ لأنه كان يعرف كلام كل واحد منهم ومذاهبهم، ثم ضرب أعناق الباقين من الأسرى، أعاذنا الله من البلاء كله، إلا رجلين من عليهما بالعفو لحرمة كانت لهما به؛ أحدهما جعفر بن يارجوخ؛ لأنه كان زوج ابنته، ولأن أباه كان صاحبه، فأمر بحبسه، ثم أطلقه على أن يطلق ابنته ويخرج عن بلدها فطلقها، وخرج فمات بنواحي الموصل، ورجل يعرف بابن عبيد، ذكر لأحمد بن طولون أنه خلص ابنه العباس من النفوسي بالغرب في وقت محاربته له، وأنه لولاه ودفعه عنه وبذله مجهوده في محاربته عنه، لكان قد أسر وقتل، فحفظ له أحمد بن طولون ذلك في العباس، فعفا عنه وأطلقه، وأحسن إليه واصطنعه.

فلما فرغ العباس من قطع أيدي أصحابه

34

دعا به أبوه فقال له: قبح الله هذا من رأي وعقل، ويل لك بهذا العقل وبهذا الرأي قدرت الرياسة؟ يا ويلك لم لم تجعل العوض من مبادرتك وتسرعك إلى قطع أيدي أصحابك هؤلاء، استلقاءك بين يدي وتضرعك إلي ومسألتك إياي الصفح عنهم وعنك، والعفو عن جميعكم؟ فكان ذلك أجل لك وأعظم لمحلك وأكبر لمنزلتك؟ وتقضي بذلك حق من حمل نفسه في طلب مرضاتك ومساعدتك على خطة الهلاك فيها، وقد فارق وطنه وأهله وولده وتبعك في هواك فجعلت، يا ويلك، مجازاته على ما تحمله فيك من المكروه قطع يديه ورجليه بيدك، ثم إيتام ولده وإرمال عياله، ولكن ما وفقت لما تأتيه فتصونهم عما حل بهم منك منة عليك، وعزيز علي أن يكون هذا وزنك، ومقدار عقلك.

فلما تفرق الجمع أمر به فبطح وضربه بيده مائة مقرعة، فكان يضربه ودموعه تنحدر، كأنه [هو] المضروب، وأمر باعتقاله في داره!

قال مؤلف هذا الكتاب: وغلب الحسن بن مهاجر على أحمد بن طولون، فحسن له جمع الأموال، ومنعه من سماحته وجريه على عادات كانت له جميلة؛ فقبل رأيه وتغيرت سماحته، واستقصى ابن مهاجر على الناس، ومنع كل من كان يبسط عليه عائدته، ويشمله معروفه وفائدته، وظهر ذلك فانحرفت عنه القلوب، وتغيرت له النفوس كما قالت الحكماء: ترك العادات ذنب محسوب.

حدث أحمد بن محمد الواسطي أحمد بن إبراهيم الأطروش بعد وفاة أحمد بن طولون، وقد اجتمعا فتفاوضا أخباره فقال: فارقت أحمد بن طولون، رحمه الله، وقت رجوعه إلى مصر من الإسكندرية ، ورجوعي إلى برقة مع طبارجي للقاء العباس، وهو أمير نبيل سمح واسع الصدر في العطاء والبذل في أبواب الخير على حسب ما رأيتم منه، وعدت من برقة مع طبارجي إليه وهو أمير ممسك ضيق الصدر بخيل مطرح لما جرت به عادته، فتطيرت يشهد الله له بذلك؛ لأني ما رأيت سمحا قط ولا تحدث به انتقل عن سماحته، ودق نظره في توفير ماله، إلا عند حضور منيته.

ولما انقضى أمر العباس ابنه وهو كان ابتداء انحلال أمره، تنكر عليه لؤلؤ غلامه وكان عمدته وعليه كان معوله، لتتم مشيئة الله، عز وجل، فيه بانقضاء عمره، وزوال ملكه، كما يجري حكمه، جل اسمه، على سائر خلقه، عند انقضاء المدة، وتكدير المحنة، وتنغيص العيش، وإذا أراد الله أمرا أتى بعضه يتلو بعضا ليؤدب بذلك المؤمنين، وينبه به المعتبرين، ويخفف به عن قلوب المتقللين كما قال بعضهم:

35

إذا ما كساك الدهر سربال صحة

ولم تخل من قوت يحل ويعذب

36

فلا تغبطن المكثرين

37

فإنه

على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب

فلما خلا قلبه من ابنه العباس، واطمأن بالظفر، وأمن ما كان يتخوفه، تحدرت عليه الغير من جهة أخرى، فتنكر عليه لؤلؤ غلامه الذي كان أقربهم إلى قلبه محلا، وأشدهم مكانا وزلفى! رباه صغيرا، ومده كبيرا وكهلا، وعلى حسب ذلك سد به الثلمة التي خاف منها، وجعله المحامي والذاب عنها، فكان دخول الخلل عليه من أوكد احتياطه، وانحلال مبرمه من أوثق رباطه.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٦٩