فكتب محمد بن سليمان إلى الموفق عن لؤلؤ كتابا يعرفه رغبته في المصير إليه، والتصرف تحت أمره ونهيه، والدخول في طاعته، فاستبشر الموفق لذلك، لما في نفسه من مولاه أحمد بن طولون، وابتهج له، ورأى أن ذلك إحدى الفرص التي ينتهزها ويبادر إليها، فأجابه بأحسن جواب وأنفذ إليه خلعا وحملانا.
وكانت مع لؤلؤ طائفة من خواص أحمد بن طولون، فقدر فيهم أنهم يساعدونه على ما اختاره، فلما تبينوا حاله أنكروا ذلك ولم يساعدوه، فكان أكثر ما قدروا عليه، لما خرج الأمر من أيديهم، أن تركوه وانصرفوا عنه إلى مولاه بجملة خبره، فلما وردوا عليه وشرحوا له حاله، وما هو عليه، تكدر عليه مشربه الذي كان يشربه فيه، ومر مذاقه الذي كان يستحليه، لنكد الدنيا وأيامها، كما قال ابن الرومي:
تذكر ساعة ألعقت فيها
وأنت وليدها عسلا وصبرا
لتعلم أن هذا الدهر يمسي
ويصبح طعمه حلوا ومرا
وظن أحمد بن طولون أن المخادعة تمكنه من لؤلؤ والملاطفة تثنيه، ولم يعلم أن سبب زوال ملكه يكون على يدي محمد بن سليمان لما حقده عليه من أفعاله به وحققه منه.
فكاتب أحمد بن طولون لؤلؤا [وأرسل إليه] كتابا يلاينه فيه، ويذكره تربيته له، وما يجب من حقه، وكان من بعض ألفاظه في مكاتبته له: «وفقك الله لطاعته، وراجع بك إلى ما هو أعود عليك دينا ودنيا برحمته، إنه ليس شيء يبلغه والد شفيق، ومستصلح رفيق، من مواصلة وعظ، وتنبيه على حظ، أو دلالة على رشد، وحض على سلوك قصد، إلا وقد بلغنا أقصى نهايته [معك] وأبعد غايته فيك، ضنا بك وشحا عليك، وتأميلا لمراجعتك، وما تركنا شيئا ظنناه يؤنس وحشتك، ويرفع محلك، ويتجاوز به حق حرمتك، إلا وقد أتينا منه، على ما نرجو أن يكون لروعتك مسكنا، ولنفسك مؤنسا ومطيبا، ولك من كل خوف موقيا.
وليس يمنعنا ذلك من تكرير القول عليك، رجاء أن تصادف مواعظنا إياك إصغاء إليها وإصاخة لها، لينفعك الله، عز وجل، بها نفعا كبيرا، ويصرف بها عنك شينا كثيرا، وقد تبينت بما كان من مفارقتك لنا ما قارفته من معصية الله، جل اسمه، فينا، وتعرضك لما تعرضته من سخطه بانحرافك عن طاعتنا، واختيارك لنفسك ما كنت عنه غنيا، وعليه ثقة أمينا، فانظر هل نلت بذلك فيما بلغت عاجل دنيا؟ أو آجل صلاح وجزيل [أجر]؟ بل قد سعيت في فسادهما، ثم تأمل الحال التي أنت عليها، والحال التي انتقلت عنها، في أيهما كنت أرخى بالا وآمن سربا وأروح بدنا وقلبا ، لتعلم أنك لم توفق في ذلك، ولم تسدد في اختيارك؛ لأن الله، عز وجل، وكلك إلى نفسك، فاستفزك الشيطان وأضلك.
لقد تبين لك غرور ما أتيته بتبديد شملك بعد اجتماعه، وانصداع شعبك بعد التئامه، واتضح لك ما كنت أحذرك وقوعه، من قلة رضا جماعة الأولياء والموالي بك، واستنكافهم من رياستك؛ إذ زالت عنك شمسنا، فحرمت هيبتك التي ألبسك الله، عز وجل، بنا، من تنكر[هم] لك وانصرافهم عنك، وما تنتظر الشرذمة الباقية معك إلا إمكان الفرصة بمثل ذلك، محاماة منهم على أديانهم، ووفاء بأيمانهم، فكيف بك إذا صرت إلى العراق بحال مع من لا يدفع عنك عدوا، ولا يصرف عنك سوءا، وقد فارقت العش الذي فيه درجت، وموطنك الذي منه خرجت، ومولاك الذي في حجره ربيت، وفي نعمته غذيت، وصرت إلى من لا يرعى فيك إلا
41
ولا ذمة، ولا يوجب لك حقا ولا حرمة، بل يجعلك مغنما وفيئا
42
مقتسما، يدنيك ويمنيك، لا حرصا عليك بل ليحتوي على ما معك ويستصفيك.
وقد كتبت إلى أمير المؤمنين وإلى من لعلك تقصده، أعلمهم أن المال الذي اختزلته من أعمالنا هو مما أمرتك بحمله إلى باب السلطان، أعزه الله، ومبلغه ألف ألف دينار، فأي حجة أبلغ لهم من كتابنا إليهم أن المال لهم ومحمول إليهم؟ فهل تكون بعد استنضاف ما معك إلا بين أمرين؛ إما أن يردوك علينا متقربين بك إلينا، أو نبذل لهم في ردك إلينا مالا يرونك عوضا منه؟ فيكون مصيرك إلينا على جهة القهر والأسر ما الموت أيسر منه، أفهذه المنزلة خير لك أو مراجعتك الواجب عليك؟ وإنابتك إلى ما هو أولى بك، مما تختاره ويرجع إلى محصول، ويئول إلى معقول، فيكون مصيرك إلينا بوجه مسفر غير كاسف، وقلب مطمئن غير خائف.»