تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فركب أحمد بن طولون إلى سفح الجبل فاختط فيه قصرا، وأمر أصحابه وغلمانه وتباعه أن يختطوا لأنفسهم حوله وما قرب منه؛ فاختط الناس وبنوا حتى اتصل البناء بعمارة البلد، وهي هذه الدور الشارعة من حد قيسارية بدر إلى سوق الدواب.

واتصل البناء والعمارة من الجانب الآخر إلى أن جاوز المدينة ثم قطعت القطائع، وسميت كل قطيعة باسم من يسكنها، فكانت للنوبة قطيعة مفردة تعرف بهم، وللروم قطيعة أخرى وللفراشين قطيعة مفردة، ولغيرهم من كل صنف من الغلمان، وبنى القواد مواضع متعددة، فعمرت عمارة حسنة تفرقت فيها السكك والأزقة، وبنيت فيها المساجد الحسان والطواحين والحمامات والأفران، وسميت أسواقها فسمي منها سوق العيارين

35

يجمع فيه البزازين والعطارين وسوق الفاميين

36 [يجمع] فيه الجزازين والبقالين والشوائين، وكان في دكاكين الفاميين جميع ما في دكاكين نظرائهم في المدينة وأكثر وأحسن، وسوق الطباخين [يجمع] فيه الصيارفة والخبازين وأصحاب الحلواء، ثم لكل صنف من جميع الصنائع أفرد له سوقا حسنا عامرا نبيلا صينا.

فكانت هذه المدينة أعمر من مدينة كبيرة من مدن الشام وأكبر وأحسن.

وبنى قصره ووسعه وحسنه وبنى فيه ميدانا حسنا يضرب فيه بالصوالجة،

37

فسمي القصر كله الميدان من أجل الميدان، فكان كل من أراد الخروج من صغير أو كبير سئل عن ذهابه فيقول: إلى الميدان. وعمل له أبوابا وسمي كل باب منها باسم؛ فمنها باب الميدان ومنه كان يدخل ويخرج معظم الجيش، وسمي باب الصوالجة، وباب الخاصة لا يدخل منه إلا خاصته، و[ما] كان مما يلي المقطم سمي باب الجبل، وباب للحرم ولا يدخل منه إلا خادم أو حرمة، وباب سمي باسم حاجب كان يجلس عليه يقال له: الدرمون؛

38

لأنه كان رجلا أسود عظيم الخلق، وقلد النظر في جنايات الغلمان السودان والرجالة خاصة فسمي باب الدرمون، وباب آخر سمي باسم حاجب كان عليه يقال له دعناج، وباب عمل من خشب الساج سمي باب الساج، وباب في الشارع الأعظم كان يخرج منه إلى الجامع الذي بناه فسمي باب الصلاة، وصور عليه سبعين من جبس. وهذا الباب قائم بحاله إلى اليوم وهو يعرف بباب السباع أيضا في أول سوق الدواب. وكان الطريق الذي يعرج منه الفاصل إلى قصره طريقا واسعا، ولم يكن يكتنفه باب واحد ولا بابان فقطعه بحائط وعمل فيه ثلاثة أبواب كأكبر ما يكون من الأبواب، [وكانت] الدروب متصلة كلها واحد إلى جانب واحد، يفرق بين الناس الركن الذي ينصفق إليه الدرب.

فكان إذا ركب أحمد بن طولون لعيد أو لغيره يخرج عسكره منه متكاثف الخروج، على حسن ترتيب بغير زحمة، ويخرج هو من الباب الأوسط منها، لا يختلط به أحد، فتلك السكة إلى اليوم تسمى ثلاثة أبواب. ومن هذه الأبواب واحد قائم إلى اليوم، ودخل البابان الآخران بعدهما في بناء الناس لما انقضت أيامهم وخربت القطائع.

وكانت أبواب قصره، التي سمينا قبل هذا، تفتح بعد عرض الجيش أو يوم صدقة، وسائر الأيام تفتح على ترتيب في وقت وتغلق في وقت، وكان له في قصره مجلس يشرف منه يوم العرض ويوم المساكين، فينفذ منه من يدخل إلى جنب الخارج، فكانوا يردون من باب الصوالجة ويصدرون من باب السباع.

وبنى على باب السباع مجلسا يشرف منه ليلة العيد على القطائع، فيرى اضطراب الغلمان في تأهبهم وتصرفهم في حوائجهم، على مقدار كل واحد منهم، فإذا شاهد من واحد منهم يسيرا من الاختلال أمر له في الوقت بما يتسع به ويزيد في جماله، وكان يشرف منه أيضا على البحر وعلى باب المدينة وما والاهما، وكان متنزها حسنا.

وكان يصلي الجمعة في المسجد القديم الملاصق للشرطة، فلما ضاق عنه بنى الجامع الجديد بما أفاء الله عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون، ومنه بنى العين المعروفة بعين أبي بن خليد، وتولى بناء العين والجامع رجل نصراني حاذق بالهندسة. ونحن نأتي بخبره إن شاء الله.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٧