تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

28

بمصر.

وكان أحمد بن عيسى بن شيخ الشيباني يتقلد جندي فلسطين والأردن، فلما مات توثب ابن شيخ عليهما، وقال: هي من عملي. وحمل أحمد بن مدبر مالا إلى السلطان من مصر مبلغه سبعمائة وخمسون ألف دينار، فقبض أيضا عليه ابن شيخ، وقال: إنا نحتاج إليه للرجال. ففرقه في أصحابه. وبلغه اضطراب الأمور بالحضرة فقويت شوكته، فجمع الجموع، وقوي طمعه في التغلب على الشامات بأسرها. وشيع الناس، لما رأوا من قوة أمره أنه على أن يتغلب أيضا على مصر، وأنه مجد في ذلك.

فأنفذ المهتدي بالله حسينا الخادم المعروف بعرق الموت

29

ومعه الكريزي وأبو نصر المروزي

30

الفقيهان، ومعهما عهد على أنه إن رد ابن شيخ المال الذي أخذه وحمل ما وجب عليه عما كان يتقلده، وانصرف عن الشامات سلما العهد إليه وانصرفا عنه، فإن لم يفعل لم يسلما العهد إليه وكاتبا بخبره ليدبر أمره بما يجب.

فلما وردا عليه وخاطباه في ذلك، احتج في المال بأنه قد استهلك على الرجال، ثم لم يجبهما إلى شيء مما يحبونه، وورد الخبر بقتل المهتدي وجلوس المعتمد فلم يدع له ابن شيخ، ولا أخذ له بيعة على أصحابه، وأراد أن يوهمهما بذلك منه، فبلغ منهما فعله، واستعمل حسين الخادم مداراته، بأن دفع إليه عهده على أرمينية حتى أقام الدعوة للمعتمد وأخذ له البيعة، وعمل ابن شيخ على أن يستخلف على أرمينية ولا ينصرف عن أعماله، وتخلص حسين الخادم والكريزي والمروزي منه بما فعلوه، وعادوا إلى بغداد فعرفوا المعتمد ما كان من ابن شيخ.

وكتب إلى أحمد بن طولون يأمره بأن يتأهب للخروج إلى ابن شيخ، وأمره أن يزيد في عدته، وكتب إلى ابن مدبر أن يطلق له من المال ما أراد لذلك، فتبعهما أحمد بن طولون فعرض الرجال، وأثبت من يصلح إثباته، واشترى العبيد روما وسودانا، وجدد آلته وكل ما يحتاج إليه، وخرج وراسل ابن شيخ بقيس بن حفص كاتب بكار بن قتيبة وبأحمد بن يحيى السراج، وجعلهما معذرة بينه وبينهم قبل إيقاع الحرب، [وأوعز] إليهما بأن يدعواه إلى طاعة السلطان ورد ما أخذه من ماله المحمول كان من مصر، فأجابه بجواب قبيح، فلقياه بالجواب وقد نزل بالعباسة

31

فورد الخبر عليه بأن المعتمد قد أنفذ أيضا إلى ابن شيخ بغلام من غلمانه يعرف بماجور الإفرنجي.

32

وأقام أحمد بن طولون بموضعه إلى أن يعلم ما يكون من ماجور مع ابن شيخ، فلما قرب ماجور من دمشق أنفذ [عيسى بن شيخ] إلى ماجور ابنه منصور، وكان من الشجعان الفرسان، وبخليفته، وبجماعة من فرسان عسكره، فوافياه في جيش كثيف، وأمرهما أن يمنعاه دخوله دمشق وأن يحارباه، فالتقى العسكران فأول من قتل منصور بن شيخ وجماعة من وجوه أصحابه وأسر خليفته، فضرب ماجور عنقه وصلبه مع منصور، وانهزم سائر عسكرهم ولم ينج منهم إلا ذو فرس جواد عتيق.

ودخل ماجور دمشق عزيزا مظفرا، فلما اتصل الخبر بابن شيخ وقتل ولده وخليفته وصناديد عسكره، انخزل وفت ذلك في عضده،

33

وانكسرت نفسه، وضاقت به الشامات، فرحل عنها على طريق الساحل يريد أرمينية، وبلغ خبره ماجور فوجه بمن قبض على أعماله كلها، واستخلف عليها خلفاء من قبله، وتقلد أعمال الشامات كلها، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائتين.

وعاد أحمد بن طولون إلى مصر وقد استكثر من العبيد والرجال

34

والآلات، فضاقت به داره، وكان هو والأمراء من قبله يسكنون في الدار التي تعرف إلى اليوم ببلد الإمارة التي لها بابان؛ أحدهما بالحارة المعروفة بحوض أبي قديرة، والمعروف إلى اليوم بباب الخاصة، وبابها الآخر الملاصق للشرطة الفوقانية، وكان باب الشرطة أيضا أحد أبوابها، وكانت كلها دارا واحدة ولها باب إلى المسجد الملاصق للشرطة، وكان يجمع فيه الجمعة، وفيه منبره ومقصورته إلى اليوم، وإنما فرقت هذه الدار حجرا بعد دخول محمد بن سليمان البلد، وبعد انحلال أمر آل طولون، وكانت في أيام هارون بن خمارويه قد صيرت ديوانا للخراج.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٦