واتسعت أحواله بعد فراغه من بناء الجامع، وكثرت إصطبلاته لكثرة كراعه، وعظم صوته، فلما بلغ ماجور خبره خافه وهابه وكتب إلى الحضرة يقول: «أما بعد، فإنه قد اجتمع لأحمد بن طولون أكثر مما كان يجتمع لأحمد بن عيسى بن شيخ، والخوف منه أكثر؛ إذ كان فيه من الفضل ما ليس في أحمد بن شيخ.» وكتب أيضا أحمد بن مدبر وشقير الخادم صاحب البريد بمثل ذلك، فكتب [الخليفة] إلى أحمد بن طولون: «أما بعد، فإنا رأينا أن نرد إليك أمر دارنا بالحضرة وتدبير مملكتنا، فإذا قرأت كتابنا هذا فاستخلف على قصرك
39
من أحببت، والبلد لك وباسمك، واشخص إلينا لما ندبناك إليه، ورأيناك أهلا له، والسلام.»
فلما قرأ أحمد بن طولون الكتاب علم، بما فيه من الدهاء والذكاء والعقل وحزم الرأي، أنها حيلة توقع عليه، فأنفذ كاتبه أحمد بن محمد الواسطي إلى الحضرة، وحمل معه مالا كثيرا إلى الوزير، وكان يومئذ الحسن بن مخلد، وحمل إليه مع المال كل شيء حسن غريب، من دق
40
تنيس ودمياط، ومن الخيل والبغال وغير ذلك ما يجوز الوصف حسنا ومقدارا، وسأله أن تشمله عنايته في أن يطلق له ولده وحرمه، وكتب إلى يارجوخ صاحبه بما كتب به إليه، وعرفه ما كاتب به الوزير وسأله مسألته في أمره، وحمل أيضا إلى يارجوخ مالا ومتاعا، فلما وصل كتابه إلى الوزير وما حمله معه، قال لكاتبه: «لن نزعجه عن عمله، ولا يقبل فيه قول ساع سعى فيه.» وركب إليه يارجوخ فسأله فأجابه إلى إنفاذ ولده وحرمه، وأقر ولده في عمله وركبا إلى أمير المؤمنين فأحسنا القول فيه، وصغرا ما كتب به ماجور وابن مدبر وصاحب البريد، فأمر بتثبيت يده في عمله، فكتب إليه الوزير ويارجوخ بذلك، وأطلق له حرمه وولده فحملهما كاتبه إليه، ووافاه وقد بلغ له ما يحبه.
فلما ورد كتاب الوزير بذلك عليه سره غاية السرور، وتصدق من وقته بصدقات جليلة كثيرة، وحمل إليه الوزير أيضا هدايا حسانا ومالا كثيرا، وكتب إليه يشكر ما كان من تطوله عليه، واستدعى منه أن ينفذ إليه كتب من يكتب فيه من العمال بمصر وأهل البلد، فلما ملك به قلب الوزير وملأ به عينه بعثه على أن أنفذ إليه ما استدعاه، فأنفذ إليه كتاب شقير صاحب البريد بمصر يقول له: «إن أحمد بن طولون على التغلب على مصر والعصيان بها.» ثم أنفذ إليه كتبا من ابن مدبر بمثل ذلك.
فأحضر أحمد بن طولون شقيرا الخادم راجلا من داره وتقدم بأن يتعتع
41
ويكد في عدوه من داره بمصر إلى الميدان، وكان شقير الخادم مبدنا مرفها، وقصد أحمد بن طولون لعلمه بذلك منه أن يقتله التعب، فلم يصل إليه إلا وقد كادت نفسه تخرج، فلما مثل بين يديه أمر بأن تحضر السياط والعقابان
42
فأحضرا، وأمر بشده في العقابين وغفل عنه، فاستغاث ساعة، وسقطت قوته ووقع، وتبين فيه الموت فلم يضرب، وأمر برده إلى داره راكبا، فلما حصل فيها مات آخر نهار يومه.
وأنفذ أحمد بن طولون إليه العدول حتى شاهدوه عريانا، وأنه مات من غير ضرب ولا سبب غير فناء أجله، فكان علم أحمد بن طولون بأن ما عمله يبلغ به ما يحب من أمره من غير مكروه ضرب ولا غيره حسنا.
وكان ابن هلال قد تقرب من قلب أحمد بن طولون وتعبد
43
له، وكان له بمصر محل ونبل، فسأله أن يكتب إلى الحضرة يطلب له الخراج، فلموضعه منه ولما في نفسه من ابن مدبر سارع إلى ذلك، وأكد القول فيه إلى يارجوخ وإلى الوزير، فوردت عليه الكتب بتقليد ابن هلال عمل ابن مدبر، فقويت يد أحمد بن طولون على الاستخفاف بابن مدبر، والسعي فيه، وقبض عليه وحبسه في داره بحال سيئة.
وولي المعتمد فرد الخراج، باضطراب أخيه في أمره ببغداد، إلى ابن مدبر، ووردت الكتب بذلك على أحمد بن طولون، فأطلقه وتسلم الخراج، ولم يمكنه الإساءة لابن هلال لموضعه من أحمد بن طولون وانحرافه عنه هو، لما في نفسه منه، فتأمل ابن مدبر أمره، فإذا به يخاف من أحمد بن طولون خوفا لا يأمنه أن يأتي عليه، فكتب إلى أخيه يقول: تلطف لي في التخلص من أحمد بن طولون والخروج عنه، فأورد أخوه عليه الكتاب بتقليده جندي فلسطين والأردن ودمشق، وقلد أبو تراب أحمد بن شجاع