وكنت عند نزولنا المنزل المعروف بدي حنى [؟] قد أكملت أمر المقدمة والساقة والميمنة والميسرة، وسرنا على تعبئة، حتى وافينا المنزل المعروف بدينار الذي كتبت كتابي هذا منه، وكان اللعين قد وافى هذا المنزل من أول النهار، مستعدا بجموعه وحشوده، فلما توافت الفئتان تسرع إلينا مدلا بنفسه، متماديا في غيه، فحملت ميمنته على ميسرتنا، فأعان الله، جل اسمه وله الحمد، الأولياء على فلها، وحملت ميسرتنا على ميمنته، وحملت أنا في أثرها من القلب، محتسبين واثقين بنصر الله، عز وجل، متوكلين عليه، فولى القوم منهزمين، قد ضرب الله وجوههم، ومنح أكتافهم، وقذف الرعب في قلوبهم، وأتبعتهم الأولياء يقتلون فيهم ويأسرون منهم، وقبل ذلك ما استأمن إلينا جماعة من مشهوريهم، كتابي يرد على الأمير، أيده الله، بأسمائهم، ولم يصب أحدا من الأولياء بحمد الله شيء يكرهه، ومضى اللعين على وجهه في نفر يسير من غلمانه، فأتبعته بصيرا وأنعج وكنجورا وهم مدركوه بمشيئة الله وعونه، وفي غد نكتب إلى الأمير، أيده الله، بشرح القصة، وبادرت بكتابي بهذه الجملة ليتعجل الله، عز وجل، إليه السرور بما من الله، جل اسمه، ويحمده على ما أولى من إنعامه.
قال مؤلف هذا الكتاب: وورد الخبر بأن الطائفة التي أنفذها طبارجي خلف العباس لحقته، فقتل من غلمانه جماعة وقبضوا عليه أسيرا فأتوا به طبارجي، فقيده وحمله من وقته إلى أبيه، وأمر بصيرا وأنعج وكنجورا أن يتقدموا به إليه، وأنفذ كتابا بالشرح، فلما وصل إليه الكتاب حمد الله كثيرا وتمثل، وما تمثل بشعر قط:
وبعثت
25
من ولد الأغر معتب
26
صقرا يلوذ حمامه بالعوسج
27
فإذا طبخت بناره أنضجتها
وإذا طبخت بغيرها لم تنضج
وهو الهزبر إذا أراد فريسة
لم ينجها منه صياح الهجهج
28
ومد طبارجي إلى برقة، فدخلها وأصلح من حالها ما كان فسد، واستخلف فيها خليفة ورجع إلى مصر، وحمل بين يده الأسرى والرءوس، ودخل إلى البلد على تعبئة حسنة وترتيب، فلما وافوا بالعباس إلى الجيزة أخرج إليه جميع الجيش، وذلك في سنة سبع وستين ومائتين، فلما لقوه زفوه
29
بين أيديهم وأدخلوه البلد في قبة مكشوفة وهو مقيد وعليه قرطق ملحم،
30
وعلى رأسه عمامة
31
فشقوا به البلد، حتى إذا وافوا به الثلاثة الأبواب، أمر أبوه بإنزاله عن القبة، وأركب بغلا بإكاف، وساروا به كذلك حتى إذا بلغ إلى باب الميدان أوقف موضعه في الشمس.
وأدخل بصير وأنعج وكنجور وأصحابهم فخلع أبوه عليهم، وأحسن إليهم، وأخرجوا بين يديه وهو يرى ما فعل بهم من الجميل ، وهم مسرورون فرحون، وأمر به إلى حجرة فاعتقل فيها، ولم يزل معتقلا حتى وافى طبارجي.
فلما وافى أمر أحمد بن طولون بإخراج الجيش لتلقيه، فخرج بأسره وتلقي، ودخل ودخلوا بين يديه في أحسن زي وأجمل تعبية، والأسرى بين يديه والرءوس، فشق البلد حتى وصل إلى الميدان، فلما دخل إلى أحمد بن طولون خلع عليه خلعا حسانا، وحمل بين يديه أكياسا كثيرة دنانير ودراهم، وحمله على فرس نادر بسرجه ولجامه، وخيل تقاد بين يديه، وانصرف إلى داره في أجل حال.
وأمر أحمد بن طولون بالأسرى إلى الحبس، وبالرءوس أن تنصب على القسي ليراها من لم يرها ويشاهدها، ويشاهد منها كل معروف، فيأيس منه من أهله من خفي عنهم أمره. وأمر بأن تبنى دكة عظيمة السمك عالية خارج الميدان، فبنيت فلما فرغ منها ركب إليها وصعد من سلم عمل لها [من] حجارة عظيمة، ففرش له عليها، وجلس عليها وحده، منفردا من سائر أصحابه إلا خواص غلمانه.
فأول من دعا به فقدم أبو معشر فضربه ثلاثمائة سوط، وأمر بالعباس فأحضر، وأوقف بين يديه، فأمره بأن يقطع يدي أبي معشر ورجليه، فدفع إليه سيفا فتقدم فقطع يديه ورجليه، وألقي من أعلى الدكة إلى الأرض، فما وصل إلى القرار حتى مات، ثم قدم إليه المعروف بالمنتوف فأمره أيضا فقطع يديه ورجليه، ورمى به من أعلى الدكة إلى الأرض، ثم قدم ابن حدار