تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

17

لك الليل عن صبحه، ويسفر [لك] الحق عن نصحه، فتنظر بعين لا غشاوة عليها، وتسمع بأذن لا وقر فيها، وتعلم أنك كنت مستمسكا بحبل غرور متماديا، وسالكا سبيل ضلال لا تجد له هاديا، من عقوق لا ينام طالبه، وبغي لا يفوت هاربه، وتقف على سوء رويتك، وعظيم جريرتك، في تركك قبول الأمان، وهو لك مبذول وأنت عليه محمود، واليد عنك كافة والسيف عنك مغمود، فتتلهف واللهف غير نافعك، إلا أن تكون أجبت إليه سريعا وأقبلت نحوه هرعا،

18

واعلم أنك لا تقصد موضعا إلا تلوتك، ولا تأتي بلدا إلا قفوتك، ولا تلوذ بعاصم لينجيك، إلا استعنت بالله عليه وعليك، فما يجيرك إلا أحد رجلين؛ إما لدين أو لدنيا، فأما الدين فأنت بحكمه مفارق؛ لأنك عاق مشاقق، وأما الدنيا فما أحسبه بقي معك من حطام ما سرقته، مما حملت نفسك على الاستبداد به، ما يفي بمكاثرتنا، مع ما وهبه الله، جل اسمه، لنا من جليل نعمه التي نستوزعه الشكر عليها، ونرغب إليه في إدامتها،

19

وما دعاني إلى إرفاقك والتسهيل من خناقك طول هذه المدة إلا أمور؛ منها استضعاف أمرك واحتقارك، وقلة الاحتفال به واستصغاره، ومنها أن جعلنا تركك على ما اخترته عقوبة لك من إباقك إلى أقصى البلاد، مبعدا عن الوطن والأهل والراحة والمهاد، وقد فارقت بلدك، وحرمت أهلك وولدك، ومنها أنا علمنا يقينا أن الوحشة دعتك إلى الانحياز حيث انحزت، فأمهلناك ليسكن نفارك، وقلنا إنك تحن إلينا حنين الولد ذي الحسب، وتتوق إلينا توقان ذي الرحم والنسب،

20

فلم تسمع من واعظ، ولم تعتد بمحافظ، وأما الآن وقد اضطررنا إلى الانزعاج نحوك، لاستعمالك المواربة والمخادعة فيما يجري عليه تدبيرك، فما أنت بموضع للصيانة، بل حقيق باللعنة والإهانة، فعليك من ولد عاق لعنه الله ولعنه اللاعنين، والملائكة والناس أجمعين، لا قبل الله لك صرفا ولا عدلا، وحاط بك حيث كنت ولا حاطك حيث توجهت،

21

وستعلم أيها المخالف القاطع رحمه العاصي ربه، أي جناية على نفسك جنيت، وأي كبيرة أتيت؛ فتندم إن كانت لك روية، وفيك فضل إنسانية، وتود أنك لم تكن ولدت، ولا في الخلق عرفت، إلا أن ترجع

22

راغبا، وتسرع خاضعا إلى ما قبلنا، فنقيم الاستغفار لك مقام اللعن، والرقة مقام الغلظة والوهن، والسلام على من سمع الوعظ فوعاه، وذكر بالله فاتقاه.

وسير من الإسكندرية إليه العساكر، وهم بالنفوذ إليه بعدهم، حتى وافاه الواسطي؛ لأنه تهيأت له الحيلة عند انهزام العباس من النفوسي فتخلص بذلك، وعمل الحيلة حتى هرب منه إلى أبيه، فوافاه وقد تم عزمه على اللحوق بالعسكر، فمنعه وقال له: حاله أصغر من ذلك، وأنا أكفيك أمره مع بعض قوادك، والصواب أن ترجع إلى بلدك ومقر عزك، فقبل منه، وأنفذ الواسطي مع طبارجي وجماعة من وجوه أصحابه، وطبارجي مؤمر على الجيش، وعاد أحمد بن طولون إلى مصر، فلما قرب طبارجي من العباس خرج إليه مدلا بنفسه، ونسي هزيمته في أمسه، فلما التقى العسكران استأمن إلى طبارجي جماعة من وجوه أصحاب العباس فقبلهم، وخلع عليهم، وقامت الحرب بينهم على ساق، وتعارك الفريقان، فصبر أصحاب العباس الباقون هنيهة، حتى دهمهم ما لا طاقة لهم به، ثم ولوا منهزمين لا يلوون على شيء، فذكرت قول البحتري:

لما رأوك تبددت آراؤهم

وغدا مصارع حدهم مصروعا

فدعوتهم بظبا الصفيح

23

إلى الردى

فأتوك طرا مهطعين خشوعا

حتى ظفرت بعزهم

24

فتركته

للذل جانبه وكان منيعا

فقتل منهم وأسر خلقا كثيرا، وولى العباس منهزما في شرذمة من غلمانه، وسرب طبارجي خلفه الرجال، وبادر فكتب إلى أبيه كتاب الفتح، وكتب بذلك الواسطي نسخته:

بسم الله الرحمن الرحيم، كتابي هذا وقت غروب الشمس، من يوم الإثنين لسبع بقين من جمادى الآخرة، وقد وضعت الحرب أوزارها، وأظفر الله، جل اسمه، عبد الأمير، وجمع أوليائه، وأيدهم ونصرهم وأحسن معونتهم، ودمر على الملعون العاق الشاق الغادر العباس، وضرب وجهه، وقتل أكثر الفجرة الذين كانوا معه، وأمكن من خلق كثير منهم، والحمد لله الذي أجرى الأمير، أيده الله، على عوائده عنده، وجعل أولياءه المنصورين، وحزبه الغالبين، وأعداءه ومن عدل عن أمره المقهورين، حمدا يكون قضاء لحقه، وكفاء لإحسانه، وامتراء للمزيد من فضله، تبارك اسمه وجل ثناؤه.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٦٧