صلى الله عليه وسلم ، وسمعت الله، جل اسمه وعلا، يقول:
وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله .
فكان أكبر ما عندي في تأدية حقك القعود عن نصرة من لزمني مشايعته، ووجبت علي معاونته، وقبلت من الله، عز وعلا، أدبه في حسن هجرتك، يقول الله، عز وجل:
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا
فلو ذهبت إلى ذكر ما أتى الله به، عز وجل، في كتابه المنزل على نبيه
صلى الله عليه وسلم
لطال به كتابي، وقامت به عليك حجتي. والآن فقد خليت عما قلدنيه أمير المؤمنين، وما قبلت له تكرمته وإنعامه من جميع أعمال حضرته؛ خوفا من أن أقوم فيها بالحق فأسخطك، وانكفأت إلى هذه الناحية هربا من موجدتك، وطلبا للقيام بحقك، أيها الأمير، ولا أبين بقيامي فيما جعل إلي ما يخلفك فيه النقيصة، إذا كان حبل أمير المؤمنين قد اضطرب في يدك، فوهت قواه وانحل مبرمه وتداكت
12
عساكره في ذلك كما تداك الإبل اللواقح على الحياض الطوافح، وسبلي من اتبع رضاك أيها الأمير، وتوقف عما تكره التصرف فيه أن تعرف له ذلك، ولا تجازي عليه بخلاف ما يستوجب.
وأما تخويفك أيها الأمير إياي بخيلك ورجلك وعددك وعتادك، فلو نظرت بعين النصفة ونطقت بلسان المعدلة؛ لانفرج عن لبك رين الشبهة، وانفتح من سمعك ما استد سمعه بالشهوة، فسمعت بعد وقر، وعرفت بعد نكر، أني لو آثرت ما إليه قصدت من مقاومتك، لدفعتك عن محل عزك، وما انحرفت عن دار ذلك، ولأقمت بها مظهرا الحق داعيا إلى طاعة الله، عز وجل، وفي جواري من يجيب صريخ الحق إذا استصرخته، ثم لو كشف لك عن قناعه، وحسر عن ذراعه، لتطامنت لوطأته الليوث الغضاب، ولتضعضعت لروعته الصم الصلاب، فلو لزمت ما بدر إليه ظنك لغورت مشاربك، ولدثرت مسالكك، ولاستصعب على الراكب مركبه، ولحيل بينهم وبين ما يشتهون، لكني آثرت الله، عز وجل، وما لديه، فألقيت أزمة أمرك سخيا بها، وسوغتكها مطرحا لها زاهدا فيها، وانقطعت إلى ناحيتي هذه لقلة قدرها وبعد محلها، لأخفي شخصي بها لا لما شرطت القول فيه وأطلت الخطب به، والله، جل وعز، يجزي الشاكرين.
وأما عرضك أمانك قبل انجذاذ الحبل، فإن الله تبارك وتعالى يقول:
ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين
ويقول جل اسمه:
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه
ولقد مدح خليله
صلى الله عليه وسلم
في قطعه رحمه فيما حصر دينه فقال:
وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم .
والكتاب طويل، وإنما اختصرنا منه هذا القول.
فلما ورد كتابه أغاظه وبلغ منه وخرج إلى الإسكندرية وأجابه يقول:
13
إلى الظالم لنفسه العاصي لربه المثلم لدينه
14
المبخوس من حظ دنياه وآخرته، سلام على كل منيب مستجيب من قريب.
أما بعد فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية بقرنها، والنملة يكون حتفها في جناحها، وستعلم، هبلتك
15
الهوابل، أيها الأخرق الجاهل الذي ثنى عن الحق عطفه، واغتر بضجيج المواكب خلفه، أي مورد هلكة سلكت، إذ على الله، جل اسمه، تمردت؛ فإنه تعالى قد ضرب لك
مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
16
واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلك، والمكروه قد أحاط بك، والعساكر قد أتتك كالسيل في الليل، تؤذنك بحرب وويل، فإني لأقسم، وأرجو ألا أجور وأظلم، ألا أثني عنك عنانا، ولا أوثر على شأنك شانا، فلا تتوقل ذورة أو تلج بطن واد، إلا تبعتك وطلبتك حيث يممت وسلكت، حتى تستمر من عيشك ما استحليت، وتستدفع من البلايا ما استدعيت، حتى لا دافع، بعون الله، يدفع عنك، فتعرف من قدر الرخاء ما جهلت، وتود أنك هلكت، ولم تأت بما إليه عجلت، ولا رأي من أطاف بك من الغواة قبلت، فحينئذ يتفرى