تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث نسيم الخادم

278

قال: حبس مولاي يوسف بن إبراهيم في موضع في داره لشيء أنكره منه، وكان إذا حبس رجلا في داره أيس منه. وكان ليوسف بن إبراهيم على جماعة من أهل الستر معروف كبير وتحمل لمؤنهم، فاجتمعوا وكانوا نحوا من مائة رجل،

279

لكل رجل منهم محل في نفسه وقديمه وستره ودينه، ووافوا إلى باب الجبل، فاستأذنوا على أحمد بن طولون، فأذن لهم فدخلوا إليه، وعنده محمد بن عبد الله بن الحكم، وجماعة من شيوخ البلد.

فابتدءوا الكلام بعد السلام بأن قالوا: قد اتفق لنا، أيد الله الأمير، من حضور هذه الجماعة مجلسه ما رجونا أن يكون ذريعة لنا إلى ما نأمله، ونحن نرغب إلى مولاي الأمير، أيده الله، في أن يسألها عنا ليقف على منازلنا، فسألهم عنهم فقالوا: نعرفهم بالستر والصيانة والدين والقديم النبيل، وقد عرضت على جماعة منهم العدالة فامتنع صيانة وتواضعا.

فأمرهم بالجلوس فلما جلسوا سألهم تعريفه ما قصدوا له فقالوا: ليس لنا أن نسأل الأمير، أيده الله، مخالفة ما آثره في يوسف بن إبراهيم؛ لأنه أهدى إلى الصواب فيه، لكنا نسأله، أيده الله، أن يقدمنا قبله فيما لعله قد اعتزم عليه في أمره من قتل أو مكروه، وهو في حل وسعة، وأن يفعل في أمره بعد ذاك ما أحب، وقد قضينا حق عارفته عندنا، وكافينا معروفه لدينا، بتحمل المكروه فيه، كما كان يبادر بمعروفه إلينا. فقال لهم: وكيف ذاك؟ فقالوا: ما أحوجنا أن نفكر معه في شيء نبتاعه لسنتنا من مئونة وكسوة وقليل وكثير، ولا وقفنا بباب غيره لما غنينا به عمن سواه، وما نؤثر، أيد الله الأمير، البقاء بعده، ولا السلامة من شيء قد وقع فيه. وعجوا بالبكاء بين يديه، فبكت الجماعة الحضور لبكائهم، ورق قلب أحمد بن طولون حتى تدمع

280

معهم وقال لهم: بارك الله عليكم وأحسن جزاءكم فقد كافأتم إحسانه إليكم، وجازيتم إفضاله عليكم. ثم قال: يوسف بن إبراهيم. فأحضر فقال لهم: خذوا بيد صاحبكم وانصرفوا به معكم؛ فقد وهبت جنايته لكم. فأخذوا بيده وخرجوا من عنده، شاكرين داعين إلى الله، جل اسمه، في إطالة بقائه ودوام عزه.

ولم يزالوا حول يوسف بن إبراهيم حتى أوصلوه إلى داره، فشكر لهم فعلهم، وانصرفوا فرحين بما سهله الله بكرمه لهم من المحنة في أمره. وكان ذلك سبب رضا أحمد بن طولون عن يوسف بن إبراهيم.

281

قال مؤلف هذا الكتاب: اتصل بأحمد بن طولون عن القاسم بن شعبة شيء أنكره منه، فقبض عليه وحبسه في داره، ووكل به من يمنع أحدا يدخل إليه، فلا يخرج من عنده إلا غلام يقضي من حوائجه وحوائج حرمه ما لا بد منه في منزله، ولم يمتهنه بحبس في مطبق ولا غيره، وتركه في داره موكلا به، وكان ذلك من جميل أفعال أحمد بن طولون محافظة لأبيه. وكان يصحبه ويتقلب في نعمته رجل يعرف بابن أخت بن الزنق، وكان له عم من الشيوخ الأولين الذين فيهم السلامة والدين، فلما قبض عليه أحمد بن طولون فزع ابن أخت بن الزنق من مكروه يلحقه من أحمد بن طولون، وخافه وانقطع عنه، فبلغ عمه ذلك فأنكره عليه وحثه على المضي إليه، والتوصل إلى قضاء حاجة إن كانت له، فاحتج بأنه لا يصل إليه لمنع الموكلين لمن يجيئه، فقال له: [لأن] يقف على مصيرك إليه ومنعهم لك أحسن من وقوفه على انقطاعك عنه، فقال له: أنا أخاف من مكروه يلحقني، فقال له: كما كنت يا بني تتقلب في نعمته، تصبر على ما يلحقك في محنته، فلا تفضحنا بالقعود عن رجل أحسن إليك، فلم تكافئه على جميله عندك. فقال له: ما أجسر على ذلك. فلما أيس منه قال له: قبحك الله، سرقت معروف الرجل، وتركته يقارع محنته. فلم ينجح فيه قوله.

وركب الشيخ حماره، وصار إلى دار القاسم بن شعبة، وجيرانه يناشدونه الله ألا يتعرض لأحمد بن طولون فلم يقبل، وقال: والله لا تحملت عارا حملنيه هذا الرجل الجاهل القبيح الفعل. فلما وقف بباب القاسم بن شعبة وعليها الموكلون، وقوم من أصحاب الأخبار، سلم عليهم، فقال: كيف حال القائد أبي محمد، أيده الله؟ فقالوا له: امض يا شيخ في حفظ الله. فقال: ما أمضي حتى أقضي من حقه ما يلزمني؛ إذ كان قد بعد عنه من يلزمه أمره، ممن كان في جملته من أهلي.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٦٠