فرفع خبره إلى أحمد بن طولون فأحضره فقال له: ما كنت يا شيخ تعمله للقاسم بن شعبة؟ فقال: والله ما عملت له قط عملا، ولا تصرفت له في حال من الأحوال، ولا دخلت له دارا، ولا سلمت عليه قط، ولا أعرفه ولا يعرفني، ولكنه أولاني جميلا في بعض أقاربي، فتوقفت عن معاضدته في محنته، وقضاء حقه على ما أولاه، توقيا وخوفا، فلم تطق نفسي الصبر على ترك مكافأة جميله عنه، فانتصبت الساعة لذلك، والأمير، أيده الله، أحق وأولى بحسن مكافأة أبيه فيه، والصفح له عن ابنه في غلطة إن كان غلطها أو زلة إن كان زلها؛ فقد كان أبوه مشهورا بحسن الموالاة للأمير، أيده الله، جميل النصح له طول حياته. فقال أحمد بن طولون: يا شيخ ما في هذا المجلس أحد يقول فيما اهتديت إليه من إذكارك إياي حق أبيه، ولعمري إنه ليقضي عطفي على ولده، وصفحي عن زلله والتجاوز له عن خطئه، فأحسن الله جزاءك يا شيخ على جميل فعلك، وكثر في الناس مثلك؛ فقد نبهتني على قضاء حق أبيه، رحمه الله.
ثم أمر بإحضاره، فلما حضر خلع عليه خلع الرضا وأجازه، ورده إلى منزلته التي كانت عنده، وقال للشيخ: تسلمه يا شيخ بارك الله عليك، وأحسن إليك. فسبقه الشيخ إلى داره فنزلها، ولم يمض إلى منزله ولم يدخل داره معه، وحرص به واجتهد فما فعل، وقال له : إنما أردت قضاء حقك والقيام فيه بما قعد عنه ابن أخي خوفا وجزعا من الأمير، أيده الله، فلله الحمد على ما سهله لي من ذلك ويسره، وأستودعك الله. وانصرف إلى منزله، فلما كان من غد ركب إليه القاسم بن شعبة يشكر فعله، وعاد إلى أفضل ما كان عليه لابن أخيه إكراما للشيخ على ما أتاه في أمره.
وحدث نسيم الخادم قال: صار إلي ثابت بن سليمان - وكان سليمان هذا يكتب لشقير الخادم، ثم خدم بعد مولاي - ومعه رقعة وسألني أن أوصلها إلى مولاي، فأخذتها منه وقرأتها، فإذا فيها يذكر أن شقيرا الخادم أودع أباه أربعمائة ألف دينار، فأوصلتها إلى مولاي، وعجبت من سعايته بأبيه، فلما قرأها استحضره وقال له: قد قرأت رقعتك، فالأمر على ما ذكرته من حصول المال عند أبيك؟ قال: نعم، أيد الله الأمير، وإنما خشيت أن تمتد يد أخي إليه، ويتصل خبره للأمير بعد وقت، فيلحقني مكروهه، فقال له: أمسك الآن عن هذا واطوه عن الناس كلهم، ولا يعلم أبوك بمجيئك إلي، حتى أدبر الأمر في ذلك فيما أراه فيه، وانصرف مكلوءا. قال نسيم: فكثر تعجبي من إمساك مولاي عن هذه الجملة العظيمة التي لا يغفل عن مثلها.
فلما مضت سنة مات سليمان فأظهر مولاي غما به، وتفجعا عليه، ثم دعا بابنه الرافع لتلك الرقعة، فرد إليه ما كان في يد أبيه من أملاكه، وضم إليه من الرجال من تقوى بهم يده، وتركه شهرا، ثم دعا به يوما وأنا قائم بين يده، فقال له: كيف حال مخلفي أبيك معك بعد أبيك؟ فقال: الحال صالحة، وما أدع حالا تؤدي إلى مصلحتهم إلا بلغتها ببقاء الأمير، أيده الله، وقد أعز الله، جل اسمه، جانبي به أدام الله عزه. فقال له: احمل إلي تلك الأربعمائة ألف دينار التي لشقير الخادم عندكم. فتلجلج ولم يمكن أن يرد جوابا، فأمرني بتسليمه إلى أحمد بن إسماعيل بن عمار، وأن آمره بمطالبته بها بالسوط، فامتثلت ذلك، وطالبه فبلح
282
فضربه خمسمائة
283
سوط، وأخذ جميع ملكه وما خلفه أبوه، فلم يوجد عنده بعض ما تقوله على أبيه، فأعاد مطالبته ثانية، وضربه فمات تحت الضرب، فعرف مولاي خبره فقال: ذلك أردت لسعايته كانت بأبيه - رحمه الله - إلي، فلا رحمه الله.
284
| أخبار العباس بن أحمد بن طولون
قال مؤلف هذا الكتاب: لما ضبط أحمد بن طولون أطراف عمله، بلؤلؤ غلامه وابن جيغويه، ومن ضم إليهما من الرجال، أغذ السير من الثغر إلى الفسطاط ليبادر أمر العباس ابنه. وكان سبب خروج العباس إلى الغرب حمقه ونقصه، وإنما قدمه أبوه على سائر ولده لكبر سنه، ولأنه كان أحظاهم عنده، ولهوى كان له فيه من هوى الأبوة، ومن الناس من يعمى عن حظ نفسه وعيب ولده لهواه فيه، وإن كان أبوه حازما لا يطعن عليه، لكنه كما قال الشاعر: