تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحدث نسيم الخادم

274

قال: كان مولاي يراعي أمر المحبوس حتى تمضي له سنة فإذا جازها نسيه ولم يذكره، وكان يقول لي سرا: إذا تبينت من رجل براءة ساحته فسهل علي أمره واستأمرني فيه، فإني أستعمل التشديد للضرورة والقلوب بيد الله، عز وجل.

قال نسيم: فقال لي موسى بن صالح، وكان من الثقات عنده وكان على الشرطتين جميعا: إن في الحبس رجلا قد زاد على سنتين وهو منقطع إلى الله، عز وجل، لا يسألنا شيئا من أمره، وقد أكب على العبادة، وقد جرى في أمره شيء، وهو ذا أشرحه لك فيما بيني وبينك، لثقتي بك وبدينك ومحبتك للخير؛ ولأستعين بك في أمره، حتى يخلصه الله، عز وجل، على يديك، فيحصل لك بذلك ثواب من الله الكريم جزيل. فقلت له: قل. فقال لي: لما رأيت هذا الرجل على هذه الحال، قلت له: يا هذا، إن الناس يضطربون في أمرهم ويسألون الخلاص مما يقاسونه، بكتب رقعة بشفاعة من يعتني بأمرهم، وأراك خارجا عن جملتهم. فجزاني خيرا.

فرق له قلبي وكبر في نفسي فخلوت به وقلت له: إني لو استجزت إطلاقك بغير إذن لفعلت، ولكن أستعن في أمرك بمن يضطرب

275

في خلاصك، فقال لي: ما أعرف في هذا البلد غير أبي طالب الخليج

276

ولو تهيأ الاجتماع معه لخاطبته بما لا تبلغه الرسالة. فقلت له: والله لأخاطرن فيك بنفسي، أنا أطلقك سرا على أن توثقني بأيمان محرجة أنك تعود إلي ولا تخفرني،

277

فقال لي: إذا كنت عندك بمنزلة من تشك فيه حتى تتوثق منه بيمين، فلا حاجة لي في إطلاقك إياي. فقلت: والله لا استحلفتك ثقة بك، فامض في حفظ الله، وأحكم معه ما تريد.

وكان ذلك ليلة الجمعة، وفارقته على أن يصير إلى محبسه ليلة الإثنين، فلما كان في سحر يوم السبت وافاني لما فتحت السجن، فلما دخل حمد الله، جل وعز، وأثنى عليه، وسجد شكرا له جل اسمه، ثم قال لي، وقد حرت من أمره: بعثت إلى أبي طالب الخليج امرأة من أهلنا فهمة، وطويت عنه إطلاقي، وسألته أن يلطف في أمري فوعد بذلك، وقال: أدخل إلى الأمير وأسأله في أمره، فاجلسي إلى أن أعود إليك أعرفك ما يجري، وأرجو أن يمن الله الكريم بإطلاقه.

وركب عشية الجمعة أمس، فأقام عند الأمير إلى قريب من العتمة، وانصرفت إلي الامرأة فقالت: وافى أبو طالب وهو مغموم فقال لي: كلمت الأمير في أمره، فقال لي: لقد أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة. ثم تقدم إلى رجل من أصحابه في المصير به إليه في غد عند جلوسه اليوم، وقال للمرأة: قولي له ارجع يا أخي إلى الله، عز وجل، فليتني ما تكلمت في أمرك. وطال علي بقية ليلي قلقا بأمرك أن يجيئك رسول في إحضاري، فبكرت إليك في هذا الوقت، خوفا من حال تلحقك فتغمني فيك، ورأيت والله جميع ما يوعدني به من المكروه أسهل علي من أن أخفر بك وأبطل ظنك.

فما استوفى كلامه حتى وافاني رسول الأمير، فتسلمه مني ومضى به إليه فلحقته، فرأيت الأمير وقد شغل الساعة عنه، فقال: أنا أسألك أن تدخل الساعة إليه من قبل أن يفرغ شغله فتدعو به حتى تشرح له قصته وتسأله في أمره. فبادرت معه ودخلنا إلى مولاي، وإذ به قد دعا بالرجل وهو بين يديه، وقد ذكر له جنايته فاعترف بها واعتذر إليه منها عذرا قبله منه، فتأملناه فإذا به قد لحقته عليه رقة ورحمة ورأفة ضد ما قدرناه فيه، فعلمنا أن العناية من الله، جل اسمه، قد سبقت عنايتنا، فغنينا عن سؤاله في أمره، وأمر بإطلاقه، وأمر له بجائزة.

قال نسيم: ثم قال لي مولاي: تسلمه يا نسيم مكرما. فأخذته إلي وقد لحقني من السرور بإطلاقه ما علمه الله، جل اسمه، وكذلك موسى بن صالح، فوصلته بدنانير كثيرة سوى ما وصل إليه من مولاي، وصرفته مع موسى بن صالح؛ لأنه اختار انصرافه معه ليبلغ أيضا في أمره ما يحبه، مما توصل به المثوبة من الله جل ثناؤه.

فلما خلوت بمولاي حدثته بقصته من أولها إلى آخرها، فأحضر موسى بن صالح وقال له: لله درك فيما أتيته في أمر الرجل، فأحضرنيه. فأحضرته، فلما رآه أكرمه وأدنى مجلسه، وجعله أخص أصحابه عنده، ولم يزل يواصله ببره إلى أن مات مولاي، رحمه الله.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٥٩