تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

264

وأكثر من ثلاثمائة بغل عليها المزابل،

265

فأنزلت الدار إلى الأرض بأسرها، ونقل جميعها إلى البحر،

266

فما أصبح الصباح حتى صارت رحبة كما ترى مكنوسة مرشوشة، كأنه ما كانت ها هنا قط دار، وغرق صاحبها والجماعة الذين كانوا معه عنده؛ لأنه بلغني من جار لبعضهم أن رسل أحمد بن طولون كانوا يخرجون واحدا من منزله فيغرق وتؤخذ نعمته بأسرها، فاذهب في حفظ الله. فزاد غمي وقلقي، وعظمت مصيبتي وحزني، وما انتفعت بنفسي بعدهم.

وحدث

267

أحمد بن دعيم، وكان من خاصة قواد أحمد بن طولون، وكان حديثه لي بعد أن ترك الديوان، وحسن انقطاعه إلى الله، جل اسمه، قال: قلدني أحمد بن طولون الصعيد الأوسط في وقت خروج عبد الرحمن العمري

268

عليه بالصعيد، فكتب إلي يستخبرني عما أقف عليه من حاله، فكتبت إليه أعرفه ضعف يده، وانتشار أمره، وقلة المال، وقبضت على رئيس من رؤساء الأعراب اتهمته بمكاتبته، وأنهيت خبره إليه، فكتب إلي يأمرني بحمله إليه ، وابتياع ما قدرت عليه من النجب، والشخوص [إليه] لأشرح له أمره مشافهة، فامتثلت أمره، فما سرت إلا مرحلة حتى لحقني وجوه تجار العمل، ومعهم أعرابي شاب، وقالوا لي: جئناك في أمر هذا الأعرابي المحمول معك إلى الأمير، أيده الله، ومعنا من يبذل في إطلاقه خمسمائة دينار. فقلت لهم: قد أنهيت خبره إلى الأمير. فقال الأعرابي الذي معهم: خذ الخمسمائة دينار واجعلني أنا مكانه، وأطلقه فيحصل لك المال والرجل؛ إذ

269

لا يعرف الأمير أيهما كتبت بذكره. فقلت: أفعل.

وكان الأعرابي المحمول من عشيرتي، وكنت مغموما بأمره، إلا أني لم أجد بدا من تعريف أحمد بن طولون ما كان منه، لما كان في قلوب جماعتنا من الخوف منه، فأحضرت الأعرابي وعرفته ما جرى، وقلت له: قد سرني الله بخلاصك. فقال: بماذا؟ فعرفته ما جرى، فقال: بأن تجعل هذا مكاني وتحمله عوضا مني، ليجري عليه المكروه دوني؟ والله لا كان هذا أبدا. ثم قال الأعرابي للشاب الأعرابي: امض لشأنك، أحسن الله جزاءك. والتفت إلي فقال لي: يحسن بشيخ مثلي [أن] يتربح

270

في المعروف؟ هذا رجل لقيته وقد أكبت عليه خيل

271

لتسلبه نفسه وما كان معه، فطردتها عنه حتى تخلص، فلما رآني في هذا الوقت وما نزل بي، أراد أن يخلصني بحصوله في موضع إن سلمت روحه لا يخرج منه آخر الليالي، ثم يغرم مالا لعله يثقل عليه ويجحف به، ليكون له الفضل علي، والله لا فعلت، ثم أقبل إليه فقال: انصرف في حفظ الله، فلن يضيع عندي فعلك، وقد حصلت لك قبلي مكرمة. فقلت له: قد قضيت يا أخي ما يجب عليك، كثر الله في الناس مثلك، فانصرف مصاحبا، فقد وثق الرجل بالله، عز وجل، في أمره، وهو، جل اسمه، يخلصه بجميل هذا الفعل.

فقال لي: لست أفعل، وعزمت

272

على الأول في القبول منه وقلت له: فلست آخذ منه شيئا وأعينه في خلاصك، ولن أدع حالا أبلغ بها خلاصه أيضا إلا بلغت. فامتنع وقال: والله لئن خالفتني وأخذته وحصلت بحضرة الأمير لأعرفنه، فاصرف الرجل ولا تعرضه للهلكة. فبقيت قد تحيرت ودهشت من كرمهما جميعا. فقال له الشاب: إذا كان الأمر على هذا فما أصنع في عارفتك التي في عنقي؟ أنشدك الله إلا قبلت المال وأزلت عني العار؛ فأنت تعلم أنه عار على الكريم أن يموت وعليه دين من ديون المعروف. فامتنع من قبول المال أيضا وقال له: إذا رأيت رجلا قد أحاطت به خيل تريد تسلبه فذبها عنه، فإذا فعلت ذلك فقد كافأت عارفتي، انصرف في كلاءة الله، عز وجل.

273

فانصرف الأعرابي باكيا متأسفا على قد فاته، مما بذله من نفسه وماله، ولم يزل يقبل رأس الأعرابي ويديه ورجليه ويبكي ويعول، ويسأله قبول المال وهو ممتنع من ذلك، حتى أبكى جماعتنا، فلما لم يجد فيه حيلة انصرف.

فلما دخلت إلى أحمد بن طولون وشافهته بخبر العمري، وذكرت له منه ما سره، وعرضت عليه النجب واستحسنها، قلت له: بقي أيها الأمير ما هو أحسن منها. قال: ما هو؟ قلت: الأعرابي الذي كتبت بخبره إلى الأمير، أيده الله، فأمرت بإشخاصه، قال: نعم، وما الذي فعل، وأردت بقولك إنه أحسن مما جئتنا به؟ قلت: كان من خبره كذا وكذا، وشرحت له جميع ما جرى من أوله إلى آخره، وخبر المال الذي بذل لي، ومشورتي عليه بأن يفعل، وصدقته عن جميعه، فأعجبه صدقي، واستحسن فعلهما، وأمرني بإحضار الأعرابي فأحضرته، فلما رآه قال له: يا أعرابي، قد كنا عزمنا في أمرك على ما يسوءك ولا يسرك، حتى وقفنا على ما جرى بينك وبين من أراد مكافأتك على جميلك عنده، وقد قمنا عن ذلك الأعرابي بحق عارفتك عنده بإطلاق سبيلك والإحسان إليك. وأمر أن يخلع عليه وأثبته في ديوانه وأسنى له الرزق، وأمرني بإيفاد رسول قاصد في حمل الأعرابي إليه ففعلت، فلما وافى أدخلته إليه، فقال له: كثر الله في الناس مثلك يا أعرابي وقد قمنا عنك بحق عارفتك، بما أتيناه في أمر صاحبك، وبك نجاه الله، عز وجل، وبجميل فعلك من مكروهنا. وأمر فخلع عليه وأثبته في ديوانه وأجرى له رزقا واسعا. ولم يزالا في خاصته ولا يخليهما في كل عيد من صلة واسعة إلى أن مات.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٥٨