فرأيت قاعة الدار كلها شمعا يتقد، حتى خلت أنه نهار، وسرت فيها حتى بلغت المجلس الذي هو فيه، وبين يديه شمعتان عظيمتان في كل واحدة منهما قنطار، وهما بعيدتان منه، فسلمت وأنا أرعد خوفا، فرد علي السلام، فسكن بذلك بعض روعي، واستدناني فدنوت، فقال لي: أنت غدا في دعوة فلان، ومعك في الدعوة فلان وفلان، إلى أن أسمى لي جميع من كان وقع الاتفاق على حضوره. فقلت: نعم، أيد الله الأمير. فقال لي: امض واحذر أن يفوتك شيء مما يجري حتى تبينه وتنصرف به إلي تعرفنيه. فقلت: السمع والطاعة لأمير الأمير، أيده الله. فقال لي: انصرف راشدا. فانصرفت وقد حرت في أمري، فقلت: أبعد هذه السن أركب الآثام وما تقبح به الأحدوثة، أسعى بقوم بيني وبينهم مودة وعشرة وأخوة، وأكون السبب في قتلهم وإتلاف نعمهم؟! إنا لله وإنا إليه راجعون.
وتأملت الحال فإذا بي إن خالفت أمره قتلني، وأيتمت ولدي وأرملت زوجتي، فعملت على تحمل ذلك ويعلم الله، جل اسمه، كرهي له، وأني غير مختار لما لا أوثره، وأني صابر على ضيق الحال طلبا للصيانة، وتجنبا للدخول فيما فيه المأثم، ثم فكرت في وقوفه على الدعوة وعلى حالها، ومعرفة من يحضرها، فازداد خوفي منه وحذري، وحيرتي في أمري، وعدت إلى منزلي، وقد يئسوا مني، فلما رأوني تباشروا بي وحمدوا الله، عز وجل، على ذلك، ورأوني قد رجعت إليهم من الآخرة، وأنه، جل اسمه، قد تصدق بي عليهم، ووهبني لهم هبة جديدة.
فلما أصبحت وتعالى النهار، جاءتني رقعة صديقي صاحب الدعوة، يسألني أن أقدم الوقت في المصير إليه، ففعلت، وأظهرت أن بي عسر البول وأخذت معي مكتبا أكتب فيه كل ما يجري، وحضرت الجماعة التي أسماهم لي أحمد بن طولون، فكنت كلما سمعت شيئا يجب أن أثبته أريهم أني أقوم إلى المستراح، فإذا حصلت فيه كتبت كل ما جرى وتهيأ، لما أحب الله، عز وجل، إمضاءه، أنه لم يكن للقوم مذ وقت حضورهم إلى وقت انصرافهم حديث إلا ذكر أحمد بن طولون بكل قبيحة وعظيمة، والابتهال إلى الله، جل اسمه، بالدعاء عليه، وتمكين الموفق منه، كل ذلك لأمن بعضهم من بعض والثقة بهم، ولما في قلب كل واحد منهم منه، فلم أزل أكتب كل ما يقوله واحد واحد، وفي قلبي من ذلك ما قد علمه الله، عز وجل، إلى بعد العتمة.
وانصرفت الجماعة وكنت أنا آخر من انصرف، فجئت من توي إلى أحمد بن طولون كما أمرني، فأدخلت إليه فأصبته على تلك الحال، وهو كالمنتظر لي، فلما سلمت رد علي السلام، وقال لي: الساعة انصرفت؟ قلت: نعم أيها الأمير، أنا آخر من انصرف. فقال لي: جودت، هات ما معك. فقلت: هو في مكتب، فإن أمر الأمير بنقله نقلته، فأمر لي بدواة وبياض، فتنحيت ناحية، ونقلت جميعه في رقعة، وقمت فدفعتها إليه فقرأها، فلما استوفى قراءتها، قال لي: بارك الله عليك خذ ما تحت المصلى،
263
فمددت يدي، وأنا أرعد وأقدر أنها أفعى، قد أعدها لي تضرب يدي فتأتي على نفسي، فأصبت رقعة، فقال لي: اقرأها. فقرأتها، فإذا فيها جميع ما كتبته، ما غادرت منه حرفا واحدا، وإذا به قد استظهر علي، بأن جعل معي واحدا من القوم الذين كانوا معنا في الدعوة لا أعرفه، فعرفت بعد ذلك أنه كان بعض أصحاب صديقي، وأراد أحمد بن طولون [أن يعرف] أينا أصدق وأنصح فيما يرويه له فكانت نسختنا واحدة، فحمدت الله، جل اسمه، إذ لم أدع شيئا قل ولا جل حتى كتبته، وتيقنت أني لو تركت شيئا لاستحل قتلي، فلما قرأتها قال لي: دعها وامض مصاحبا. وأمر لي بألف دينار فأخذتها وانصرفت، وليس لي فكر ولا عقل إلا في أصدقائي، وما يكون منهم ، وما أتخوفه عليهم.
فلما كان من غد ركبت إلى صديقي صاحب الدعوة لأعرف خبره، فلما صرت إلى السكة التي يسكن فيها، لم أر للدار التي كان فيها أثرا، ورأيت موضعها رحبة مكنوسة مرشوشة واسعة نظيفة، لا أعرفها ولا رأيتها قط، وأقبلت أطلب الدار فلا أراها بوجه ولا سبب، فتحيرت ووقفت أتأمل الرحبة والموضع، فرآني بعض شيوخ الناحية فتقدم إلي وقال لي: أراك، أعزك الله، متحيرا، فقلت له: نعم، أعزك الله، أنا أطلب دار صديق وما أراها، ولولا معرفتي بهذا الموضع لقلت غلطت موضعها، فقد حرت من ذلك. فأخذ بعنان لجامي وقدمني ناحية وخلا بي، وقال لي: امض يا حبيبي في حفظ الله، فرحم الله صديقك، فقد كان حسن المجاورة لنا، وقاضيا لحوائجنا وحقوقنا. فقلت له: عرفني ما وقفت عليه لأعلمه وفرج عني. فقال: أما خبره فما أدري كيف جرى، إلا أنه سعي به إلى أحمد بن طولون، وبجماعة كانوا عنده البارحة في دعوة، فلما كان في أول الليل وافى إلى ها هنا أكثر من خمسمائة رقاص،