تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما الثاني فكان من أحسن الناس وجها وخلقا، فرآه يوما في خلعة رائعة حسنة وقد زاد حسنه وجماله فيها، فقال له وهو خال: لو لحقتني في شرخ شبابي لما أفلت مني. فقال له: لو كان مولاي الأمير يستأهلني لما أفلت منه. فضحك وقال: يا نسيم، ابعث بهذا الخادم إلى محمد بن أخي، فإني لا أرغب في هزله، فهو يفسده أمر قريب يومه. وكان محمد هذا ابن أخيه موسى عفيف الفرج، ولما بعث به إليه ورآه حسنا بضا

260

وهبه للسيدة بنت أحمد بن طولون زوجته، وكان يخدمهما جميعا.

وأما الثالث فإنه سلم إليه رجلا آثر الراحة منه وقال له: إن هذا عدوي وعدوكم، وقدر عليه أنه سيقتله، ثم سأله عنه بعد أيام، فقال له: هو محبوس. فقال له: لو كنت تحبني لقتلته. فقال له: يا مولاي، لو كنت لك وحدك لقتلته، ولكني لك ولخالقي وخالقك، وما أقدر أن أرضيك بسخطه؛ لأنه أقدر علي منك. فنفاه إلى أذنة ولم يقطع رزقه عنه.

وحدث نسيم أيضا قال: كان أصحاب الأخبار يرفعون إلى مولاي رقاعا في أقوام تكون سببا لاصطفائهم وقتلهم، وكنت حربا لأصحاب الأخبار باغضا لهم، وكنت إذا لقيت الرجل منهم لعنته في وجهه جهرا، وكان مولاي إذا رفعت إليه رقعة حفظ معناها، وأمر بقتل صاحبها، ودفعها إلي وأمرني بتحريقها، ولم يثق بغيري في ذلك.

فسعى أصحاب الأخبار في إفساد حالي عنده، فكانوا إذا رفعوا إليه واحدة وعلموا أني قد حرقتها رفعت أخرى إلى مولاي وقالوا له: كيف بقيت هذه الرقعة لم تحرق؟ فيوهموه أني قد أغفلت أمرها، أو أخذتها لأعلم ما فيها ومن رفعت فيه، فأعلمني مولاي بذلك، فحلفت عليه أني ما أغفلت قط تحريق رقعة دفعها إلي، ولكن هؤلاء القوم لما علموا ببغضي لهم، احتالوا في إسقاط منزلتي من مولاي. فقال لي: صدقت، قد علمت ذلك، وأنها حيلة منهم عليك في الرقاع التي آمرك بتحريقها؛ لأن لي فيها علامة، وهي إدخال سبابة يميني حتى يتحيف فيها اسم أعرفه من الرقاع التي يعيدونها إلي سليمة من علامتي، وهذه يا بني صناع رديئة ليس يصلح لها غير الشرار ومن ليس فيه خير.

وحدث

261

سعد الفرغاني قال: ركب أحمد بن طولون يوما، فبينا هو سائر فإذا هو برقاص يعمل في دار، فقال: اقبضوا عليه وامضوا به إلى الدار. فقبض عليه ومضي به إلى الميدان.

262

فبقي جماعة أصحاب أحمد بن طولون في حيرة من ذلك، لا يدرون على ما ينزلون أمر الرقاص. ولما عاد إلى داره أحضره وأحضر السياط والعقابين فاعترف أنه جاسوس للموفق، وأنه أنفذ معه كتبا إلى جماعة من القواد، قد أوصل بعضها وبقي بعضها، وأنه عمل رقاصا ليخفي أمره ويختلط بالناس، ويسمع منهم الأخبار، ويسأل عما يحتاج إليه، فوكل به حتى مضى، وأحضره ما بقي من الكتب، فقبض على الجميع وأتى عليهم، وأطلق الجاسوس وقال له: عد إليه وعرفه أنا قد وقفنا، والحمد لله، على ما عمله، ولم يضرنا الله جل اسمه به، بل كشف لنا عن نيات أعدائنا، فاستأصلنا شأفتهم بما مكننا الله عز وجل به فيهم. ووكل به حتى خرج من العريش.

فقال له طبارجي: أيها الأمير، كيف علمت بهذا الرقاص؟ فقال له: يا هذا، إني لمحت تكته وهو يحمل قصرية الطين على كتفه [فرأيتها تكة] أرمني، فقلت: رقاص بتكة أرمني لا يكون. فعلمت أنه جاسوس، فكان من أمره ما قد رأيتم.

وحدث أحمد بن محمد الكاتب، وكان من عقلاء الناس وفهمائهم، وكان فيه دين وخير كثير، [قال]: أتاني رسول أحمد بن طولون و[قد] مضى من الليل أكثره، وأنا نائم في فراشي، فقرع بابي قرعا عنيفا فأشرفت عليهم عيالي، فإذا جماعة من الغلمان بالشمع والمشاعل، فراعهم ذلك وعرفوني فأشرفت عليهم، فعلمت أنه لم يستدع حضوري في ذلك الوقت لخير، فأيست من الحياة، فدخلت المستراح وتطهرت وتطيبت طيب من يفارق الدنيا، ولبست ثيابا نظافا، وقلت: تكون [مشيئة الله] وودعت أهلي، وقد كثر بكاؤهم وضجيجهم، ونزلت إليهم فركبت معهم، فمضوا بي حتى دخلت إلى أحمد بن طولون.

سيرة أحمد ابن طولون · الصفحة ٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيرة أحمد ابن طولونص ٥٦